
كثيراً ما نحاول ، عبثاً ، ان نستعيد من ذاكرتنا اسماً او حادثاً نحن على يقين اننا اودعناها اياه ، ثم نرانا في وقت آخر ، ودون اي مجهود خاص ، نتذكر ذلك الاسم او ذلك الحادث كأنه اتانا من مصدر غريب .
امور كهذه تجعلنا نعتقد ان لنا عقلاً لا نستطيع التسلط عليه بارادتنا ، هو العقل الباطن . ويمكننا ان نعلل ذلك تعليلاً معقولا اذا علمنا ان شعورنا يوحي الينا افكاراً لا ندركها ، كما ان افكارنا تخلق فينا شعوراً قد لا نحس الا بعضه ، ومن الثابت سيكولوجياً ان العقل يكون صوراً لكل ما يتأثر به الاحساس . وهذه الصورة تكون صادقة ، او غير صادقة بالنسبة الى دقة الاحساس ووضوحه . ومن ذلك تنشأ التأثيرات التي تعجز عن تعليلها عندما يظهر لنا عقلنا الواعي في حياتنا العملية والتفكيرية ، والخيالية على الاخص .
على اننا ، وان عللنا بعض التأثيرات التي تظهر في عقلنا بوجود عقل باطن ، فمن الخطأ ان نؤمن بوجود عقلين منفصلين في الجسم الواحد ، فليس العقل الباطن الا هوامش للعقل الواعي وليست عملية التفكير وتسليط الارادة عندنا الا محاولة لحصر هذه الهوامش في نقطة واحدة لتصبح ذات اثر واضح فعّال كما نحصر اشعة الشمس في العدسة لتكتسب مزايا النار . وتتوقف
قوة حصر الفكر او ضعفها على ما سجلناه في الهوامش من التحسسات التي تكون ، كما ذكرنا ، صوراً في العقل المفكر .
وما نسجله ، او بالاحرى ، ما يسجل نفسه في عقلنا الباطن يظهر لنا بين الآونة ، والاخرى في اليقظة والمنام على السواء ، ويكون له اثره الصالح او السيء في صحتنا وشخصيتنا . لذلك نرى كثيرين من الاطباء الحديثين يعرضون بعض مرضاهم الى تحسسات تترك في عقلهم الباطن ، دون ان يشعروا ، اثراً يساعد في اصلاح معنوياتهم وبالتالي ، اجسادهم .
ونتيجة التحليل السيكلوجي ترينا ان الفكرة قد تدفن اكثر من اربعين سنة في العقل الباطن ثم تعود فتبعث في الذاكرة او في المنام .
وهنا لا بد لي من ابداء تحفظ هام ، وهو ان اكثر ما يعرفه العلماء عن الاحلام لا يزال اقرب الى الافتراض منه الى الحقيقة الراهنة .
فاكثر علماء النفس يعتقدون ان الاحلام تستمر عند الاشخاص في حالاتهم الطبيعية ، كل الليل ، ولكنهم لا يتذكرون منها الا ما يحملونه في اوقات النوم الخفيف وقبيل يقظتهم .
ونحن نلاحظ ان اكثر ما نتذكره من احلامنا هو احلام الساعة الرابعة صباحاً عندما نكون على وشك الاستيقاظ .
واكثر الاحلام مبنية على تخيلات بصرية او سمعية . على
انه من دواعي الدهشة اننا قلما نتذكر اننا ابصرنا الواناً في احلامنا ، او سمعنا لغة غريبة عن لغة طفولتنا ، واندر من ذلك ان نتكلم لغة غريبة
وما يلاحظه العلماء ايضاً ان اكثر من سبعين في المئة من الاحلام هي من النوع المزعج ، ذلك لان الانسان يتجنب التفكير بالاشياء المزعجة اثناء يقظته فتأتي الاحلام مشبعة رغبته بالتفكير بالشيء لا بالتمتع به !
فالاحداث يحلمون كثيراً بالاشباح والجن ، ثم نراهم بعد سنوات قليلة يتحدثون عن الاحلام التي يفترض فيها اشباع شهوات ممتعة ، ويتكلمون كثيراً عن الاحلام المخيفة التي تحمل اليهم شتى انواع العذابات . والاحلام في اكثرها وليدة البيئة : فالجندي اكثر ما يحلم بالمعارك ، والصياد بالصيد ، والرسام بالتصوير ، والطالب في مدرسة الطيران ، تكاد تقتصر احلامه على قيادة الطائرات وعلى النكبات الجوية .
وقد تكون الاحلام واضحة الى حد يجعل الناس ، وخاصة الصغار منهم ، يخلطون بين
احلامهم وذاكرتهم اليقظى ، فيروون حوادث على انها وقعت لهم فعلاً ، ولا تكون الاحلاماً وينكرون مسائل فكروا بها ظناً منهم بانها احلام !
لذلك نرى البعض يتطيرون من مخاوف لم تحدث لهم قط ، ومن الغريب ان هؤلاء غالباً لا يتذكرون الاحلام التي تسبب لهم الخوف ، بل يتذكرون او يشعرون بالخوف نفسه ، وتعليل هذا ان الخوف ينتقل من عقلهم الباطن الى عقلهم الواعي في اللحظة التي تفصل بين النوم واليقظة ، دون ان يشعروا به .
ومن الثابت ان الاحلام تمر بسرعة غريبة ! فقد نحلم في لحظة واحدة عمراً كاملاً . ويظهر ان العقل الباطن قد أوتي من موهبة الرمزية ما يؤهله لحصر الآباد والآزال في لحظة واحدة على ان الصعوبة تأتي عند تفسير تلك الرموز . ولا تنحصر الصعوبة في كون الرموز مبهمة بل تنتج غالباً عن عدم استطاعتنا تذكر الرموز كلها ، او بترتيبها الصحيح ، فنحن نتذكر نتفاً من الحلم من هنا وهناك ، ونزيد غموضها عندما نخطئ في ترتيبها