

بحسب زمن ورودها ، فنقدم ما يجب تأخيره ونؤخر ما يجب تقديمه . ولو كان باستطاعتنا أن نتذكر أحلامنا كلها ، بترتيبها الصحيح ، لكنا ننظر إلى الأحلام بتقدير « أدبي » أعمق ..
من المشاكل التي أشغلت العقل البشري منذ نشوئه إلى اليوم مشكلة الأحلام وتعليلها وتفسيرها . فالقدماء كانوا ينظرون إلى تفسيرها نظرة جدية أكثر من نظرتنا اليوم ، تدلنا على ذلك الكتب التي تركوها لنا ووصلتنا وأهمها الأساطير المختلفة .
أما اليوم فنحن نفسرها على ضوء ما ذكرناه آنفاً من أنه لا بد لكل شعور من أن يترك صورة في العقل ذات فاعلية خاصة . فإذا حصل أثناء النوم شعور ما ، اضطرت الصورة الناتجة عن الشعور أن تسير إلى العقل الواعي لتسجل نفسها فيه . وفي طريقها إليه تلم نتفاً من الأخبار من هنا وهناك ، وتكوّن منها رواية يعرفي العقل الباطن صدمة فتحملها .
أما استيقاظ الشعور أثناء النوم فسببه قلق في الحس ناتج
عن حالة جسدية ، غير طبيعية لذلك نرى المرضى أكثر أحلاماً من الأصحاء ، والقلقين أكثر أحلاماً من المطمئنين .
بذلك نعلل ما يسمونه بنبوءات الأحلام . فإذا حلمت مثلا ، في هذا المساء ، أن يدي ستؤلمني في غد ، ثم آلمتني يدي فعلا في غد ، أقول أنني تنبأت ! والحقيقة أنني ما حلمت ذلك الحلم إلا لأنها آلمتني في الليل ، وأرسلت صورة من الألم إلى الدفاع ، فالتقطها العقل الباطن في طريقها ، وأراني إياها قبل أن أشعر بها .
أما أن ندعم نظرية التنبؤ بكون اثنين أو ثلاثة قد حلموا حلماً واحداً فدعامة واهية ، لأن الأحلام ، كما ذكرنا ، وليدة البيئة ، وإذا وجد اثنان أو ثلاثة في ظروف واحدة أو متشابهة جداً ، فليس من الغريب أن يحلموا أحلاماً متشابهة . فقد يحدث مثلا أن الصحف كلها تروي خبر نكبة لطيارة ما ، فيحلم الملايين من الناس ، في الليل نفسه ، بأنهم طاروا بالطيارة فاحترقت فرموا بأنفسهم إلى الأرض ، ثم يستيقظون وهم بين الأرض
والسماء . أو ليس من البلاهة أن ننسب تلك الصدفة إلى السحر والنبوءة ، أو أن نعللها كما كان ولا يزال يعللها بعضهم من أنها عود إلى حياة أجدادنا الطيور بحسب نظرية النشوء والارتقاء ؟ فضلا عن أن أكثر أحلامنا تدور حول حواسنا ، وحواس الناس تتشابه فمن الطبيعي أن تتشابه أحلامهم أيضاً .
وأصعب أنواع الأحلام تفسيراً هي الأحلام المتسلسلة ، فالمريض يحلم الحلم المرعب ليالي متتالية ، وربما كان ذلك لوجوده في ظرف خاص يسيطر على سائر التأثيرات التي تؤثر في مجرى حياته . على أن هذا النوع من الأحلام لا يزال أبعد الأنواع عن قبول التطبيق على التفاسير التي ذكرناها .
من الطبيعي أن تكون نظرية فرويد وأتباعه في الأحلام مبنية على نظريته العامة بأن الأفراد يعيشون في جهاد مستمر ، ليلا نهاراً ، لاكتساب البهجة واجتناب الألم ، فهم يقولون بأن الأحلام هي إشباع للرغبات : من آمال وتمنيات وشهوات . يزيدون على ذلك أن الإنسان في يقظته يتجنب التفكير في شهواته خوفاً من التمادي في حب شيء لا يستطيع الوصول إليه ، فإذا نام العقل نام ذاك الخوف واستقلت العاطفة وحدها . فالأحلام إذن هي التعبير عن شهوات مكبوتة
أو عن شهوات التعبير نفسها ، وهم يرون أن الأحلام تحمي النوم بدلا من أن تزعجه كما يزعم غيرهم . وحجتهم في ذلك أن التحسسات التي يلتقطها العقل الباطن في طريقها إلى العقل الواعي ، ويرينا إياها أحلاماً ، لو استطاعت الوصول إلى العقل الواعي لأيقظتنا .
وهم مصيبون من هذه الناحية لأننا باختبارنا نرى أننا نستيقظ غالباً على حلم ما . فمن المعقول أن يكون الحلم نفسه قد أيقظنا عندما أفلت من عقلنا الباطن ووصل إلى عقلنا الواعي . وما يدعم ذلك القول هو أننا غالباً ما نستيقظ عندما نصل إلى خطر في حلمنا فإذا حلمنا مثلا أننا سقطنا من طيارة أو سيارة ، أو أن وحشاً مفترساً يهاجمنا أو أن عدواً ينوي قتلنا ، نستيقظ قبل أن نجتاز الخطر أو أن يفتك بنا . ذلك لأن الحالات التي لا يستطيع العقل الباطن أن يدمجها في سلك روايته ، تصل إلى عقلنا الواعي . وعند وصولها إليه توقظنا . فالعقل الباطن إذن ، كما يقول فرويد وأتباعه يحمي نومنا .
كل شيء يسجل في الدفاع يمكن أن يكون حلماً ، ويمكن أيضاً أن يساهم في تكوين حلم ، ذلك لأن للعقل الحالم مقدرة على جمع النتف من الحوادث والأخبار المختلفة وربطها في قصة واحدة ، وأكثر تلك الحوادث
ـ البقية على الصفحة ٩ ـ