ما كدت أقرر سفري بالطيارة لمصر بمناسبة انعقاد المؤتمر الطبي العربي السابع فيها بين ١٤ و ١٨ تشرين الثاني حتى تبادر إلى ذهني بأسرع من البرق ما قرأته في مقال للأستاذ المربي عبدالله مشنوق يصف به شعوره لأول مرة اعتلى متن طيارة والبيت من الشعر الذي ردده:
أنل قدمي ظهر الأرض إني رأيت الأرض أثبت منك ظهراً
فقلت في نفسي إذا كان هذا شعور رجل فما يا ترى سيكون شعوري... ولكن أستطيع أن أؤكد لحضرة الأستاذ أنني كنت أثبت منه جناناً في هذه الحالة ولم يعتريني أدنى خوف أو وجل. وكانت مدة سفرنا إلى مصر وقد استغرقت ثلاث ساعات تقريباً لذيذة مبهجة للغاية لما رأيناه من مناظر خلابة، هنا صحراء الشويفات وهناك فلسطين وهناك طريق الصحراء كالشريط الأسود الممتد في بقعة غبراء. وحين وصلت مصر أخذت أشعر بعظمتها وبأنني بين أهلي وخلاني لا سيما عند افتتاح المؤتمر حيث تجلت الكنانة بأبهى عظمتها ومجدها بشخص مليكها العظيم والذي أوفد مندوبه فافتتح المؤتمر باسمه في القاعة الفسيحة لجامعة فؤاد الأول. وبرجالها الأطباء المشاهير كسعادة الدكتور علي باشا إبراهيم المؤسس والرئيس الدائم لهذه المؤتمرات والسكرتير الدائم للمؤتمر حضرة صاحب العزة الدكتور محمد خليل بك عبد الخالق وكافة الأطباء العاملين في هذا الحقل. وأول ما يتبادر للذهن في اجتماعات كهذه التفكير في الغاية المنشودة التي يراد الوصول إليها. أما أنا فالذي تمكنت من درسه هو الناحية الاجتماعية إذ أن الناحية الطبية بعيدة عني وبعيدة أنا عنها بعد الثريا عن الثرى.
كم هو جميل ولطيف أن نرى إخواننا من كافة الأنحاء العربية مجتمعين متضامنين حول هدف واحد وهو كيفية النهوض بهذه الأقطار العربية من الوجهة الصحية والأدبية أيضاً. ولا يغرب عن بالنا أن لهذه الاجتماعات تأثيرها العميق ومن حيث التعاون وشد أواصر الألفة بين سائر الأقطار العربية والتفاهم الممزوج بروح المحبة والحنان حنان الأخ لأخيه.
لا يمكنني كما قلت لكم سابقاً أن أصف الجلسات العلمية المفيدة ولكنني أذهب بكم دائماً إلى الناحية الاجتماعية فأقول إن البرنامج
الاجتماعي الذي عني بتدبيره نخبة من الأطباء المصريين المشاهير جاء عظيماً ومفيداً جداً. فإن أنسى لا أنسى الحفلة التي أقامتها وزارة الصحة في تياترو حدائق الأزبكية وقد كانت برنامج تمثيلي سلخ من قلب الحياة غايته تعلم الوقاية من الأمراض المعدية الفتاكة وتعليم المرأة المصرية كيفية تصرفها حين ابتداء الحبل إلى الولادة إلى تربية طفلها تربية صحية. وهذا ما تهتم به وزارة الصحة الجليلة ولها مستوصفات في سائر الأقطار المصرية يديرها نخبة من الأطباء والممرضات دأبهم السهر على واجباتهم نحو هذا الجزء من المجتمع والنهوض به إلى درجة قصوى من الرقي الأخلاقي والاجتماعي.
لا أريد أن أطيل الشرح بوصف كل حفلة على حدة إذ ليعجز القلم عن تعداد ما لقيناه من إخواننا المصريين جماعة وأفراداً من حسن الضيافة وكرم الأخلاق ولا نستطيع إلا أن نشكرهم شكراً جزيلاً على كرم ضيافتهم وحسن وفادتهم سائلين الله أن يحفظ مصر ذخراً للعروبة والوطنية في ظل مليكها المعظم فاروق الأول.
ولا بد لي أن أحدثكم عن المفوضية اللبنانية في القاهرة وعن شعوري وشعور كل لبناني حين زيارته للبيت اللبناني وعما يخالج أفئدتنا من السرور والغبطة عندما نرى أننا أصبحنا كبقية الشعوب لنا حيثية وكرامة. إن المفوضية اللبنانية في القاهرة جميلة للغاية وتقع في أجمل شارع من شوارع العاصمة (الجيزة) وقد قامت بقسطها كاملاً نحو المؤتمر إذ دعت أعضاءه إلى حفلة شاي كانت حقاً مهرجاناً وطنياً نجح نجاحاً باهراً وأوكد لكم أنها كانت من أحسن ما شاهدناه من اجتماعات ومهرجانات في أثناء المؤتمر. ولا يسعني إلا أن أنوه بما لمفوضنا المحترم الشيخ سامي الخوري وقرينته الفاضلة من فضل في تنظيم عقد هذه الاجتماعات اللطيفة التي تقرب القلوب وتفسح مجالاً للتفاهم والائتلاف. وقبل ختام الحفلة اقترح أحد الحضور أن يعزف النشيد اللبناني على البيانو فنشده وقوفاً وهكذا كان ولا يمكنني أن أصف عظم التأثر الذي كان بادياً على محيا الجميع حتى أن رئيس الوفد العراقي حضرة الدكتور هاشم الوقري أخبرني فيما بعد أنه كان خارجاً من المفوضية مع رفاقه وحين سمعنا ننشد النشيد اللبناني، وقفوا جميعاً احتراماً ولعظم تأثره لم يتمالك عن ذرف دمعة هي دمعة التأثر والحبور، دمعة الفرح، فرح الأخ لأخيه بما ناله من كرامة واستقلال. ولن يسهى عن بالي الحفلة اللطيفة في المفوضية أيضاً يوم ٢٢ تشرين الثاني عيد استقلالنا فقد كانت من الحفلات الفريدة وكنت ترى الناس زرافات زرافات من مصريين وعراقيين وفلسطينيين وسوريين وسعوديين... يأمون المفوضية اللبنانية لتهنئة لبنان بشخص مفوضنا المحبوب بالعيد الوطني والجميع شاعرون بالغبطة والسرور لما وصل إليه لبنان من الكرامة والسؤدد وقد تبوأ مركزه بين الأقطار الشقيقة العربية وأصبح كما قال أحدهم قلب البلاد العربية النابض، له عليها كل دلال ومحبة واحترام.
