لم يعرف الشرق العربي قبل الاسلام حقبة كانت اغنى في الحوادث الجسام وامتع للباحث من هذه السنوات القلائل التي اعتلت فيها زنوبيا عرش المملكة التدمرية .
ولقد اهمل التاريخ العربي بعد الاسلام ذكر كثير من الاخبار عن الدول العربية القديمة التي ازدهرت قبل الاسلام وكان مما اهمله اخبار تدمر ولعل من الاسباب التي دعت الى هذا الاهمال ان المدة التي انقضت بين زوال هذه المملكة التدمرية وظهور التدوين في الاسلام لم تكن يسيرة فقد كادت تبلغ خمسة قرون وكانت اخبار المغازي والفتوحات التي تمت في الاسلام وغير ذلك من الاحداث قد شغلت العرب عن اخبار دولهم الاولى وكادت تستأثر انتباههم دون غيرها . كذلك لم يكن العرب في اواخر جاهليتهم يذكرون من امر هذه الدول سوى ما تركته بعض الآثار المختلفة عنها من اثر في نفوسهم واحساس فيه عظة وعبرة حيناً وفيه اكبار واعجاب حيناً آخر .
ولقد شاهدوا آثار تدمر فسحرتهم بروعتها وبهرتهم بعظمتها فحاكوا حول اصحابها ما شاؤوا من الاساطير والاوهام وظنوا ان بناتها من الجن الذين سخرهم الله ليأتمروا بامر سليمان ومن هنا هذه الابيات المأثورة عن النابغة في قصيدته التي قالها مادحاً بها النعمان ابن المنذر ومعتذراً اليه :
حقاً ان هؤلاء البناة كانوا جناً في مهارتهم وان هؤلاء المهندسين كانوا عباقرة في فنهم بحيث استطاعوا ان يخلدوا في واحة في قلب الصحراء تلك الهياكل العظام والاعمدة الطوال التي لا تزال الى اليوم ثابتة على مرور الزمن وما هزها به من عواصف وزلازل منتصبة واقفة لتشهد لرائيها بقوة بأنها رغم ما تهدم قبلها من بنيان ناطقة بمجد اهلها رغم انها خرساء نحتت من صخر أصمّ .
ولعل خيال النابغة كان يجيء اوقع في النفس لو زعم ان الجن اقتلعت جانباً من الفردوس وطارت به على بساط سليمان فلحقت بها ملائكة الله حتى اذا ادركتها وهي فوق بادية الشام تمزق البساط وسقطت الهياكل والاعمدة جنة قائمة في الصحراء .
وان من يزور تدمر اليوم ليدهش حقاً بعد ان يقطع ما يقرب من مئتي ميل عن دمشق حين يشاهد مدى اتساع تلك المدينة القديمة وتنوّع آثارها وضخامة بنيانها وتعدد اعمدتها وقناطرها وقصورها وقبورها في مثل ذلك المكان القصي عن العمران اليوم في قلب بادية الشام .
ولم يفت المؤرخين الرومانيين القدماء ان يذكروا الهام من اخبار هذه الدولة العربية القديمة ويكادون يجمعون على ان تدمر كانت في ابان عظمتها حلقة الوصل بين الشرق والغرب وكانت في اسواقها تلتقي طوائف التجار تتبادل السلع الرائجة فكان التدمريون يستجلبون بضائع اليمن والهند ليبيعوها الى الروم ، وكان يهم الدولة الرومانية ان تظل العلاقات طيبة مع هذه الامارة فعقدوا معها المحالفات وشددوا اواصر الصلات ومن هنا كانت اهم الاخبار التي نعرفها عن تدمر منقولة عن مؤرخي الرومان وعن النقوش التي لا تزال الى اليوم مكتوبة باللغتين التدمرية واليونانية .
ويظهر ان اعظم حقبة في تاريخ تدمر كانت زمن زنوبيا موضوع حديثنا اليوم .
كان اذينة ابن السميذع امير تدمر في ذلك الزمن ــ الثلث الاخير من القرن الثالث بعد المسيح وكانت زنوبيا ابنةً لرئيس القواد في جيش اذينة وكان ابوها قد هيأ لها ان تثقف خير ثقافة يمكن لفتاة في الامبراطورية الرومانية ان تحوز عليها فتعلمت في صغرها بمدرسة الاسكندرية ولقنت علوم عصرها وحذقت اهم لغات زمانها وتمرست في امور الفروسية والرماية والحرب وكانت قبل هذا كله وسيمة الطلعة رشيقة القوام على غاية من الجمال الشرقي الفتان ، سمراء ذات عينين متوقدتين واسنان كاللؤلؤ المنضود وصوت رخيم جذاب . ومن هنا لم يكن غريباً ان نراها حين اكملت علمها زوجاً لاذينة امير تدمر ورفيقة امينة له في جهاده .
وكان ان اغتيل زوجها فهبت للانتقام من قاتله وقتلته وامسكت بيدها صولجان العرش ولبست تاج الملك فاحسنت سياسة الدولة وقادت بنفسها الجيوش فعلّمت القواد كيف يكون الثبات وكيف يكون الدفاع المجيد دفاع اللبوءة الشكلى عن عرينها العزيز حين يرام انها ــ فيما يقول المؤرخ الروماني « تريبليوس بوليو » ــ تعيش في ابهة كالاكاسرة فكأنها منهم في مجدها وهيئتها وتتخلق باخلاق الاباطرة فكأنها منهم في تربيتها وخلقها ومجالسها ، تحضر المجتمعات والمجالس الرسمية وقد لبست خوذتها مربوطة بشريط ارجواني محلى بالجواهر وقد عقدت ازار ملابسها بحجر من الماس واختالت عارية الزندين . تركب المركبات ولكنها تؤثر الخيل عليها واذا خرجت في مهمة من مهام الدولة ركبت عربتها المصفحة تحيط بها كوكبة من الفرسان من حرسها الخاص .
