

هي ليلى بنت الأخيل من عقيل بن كعب وهي أشعر النساء لا يقدم عليها غير خنساء (١) وجاء في فوات الوفيات - «الشاعرة المشهورة كانت من أشهر النساء لا يقدم عليها إلا الخنساء - توفيت في الثانين من الهجرة» (٢) أما في زهر الآداب للحصري في كلامه عن الخنساء يقول وهي (أي الخنساء) أشعر نساء العرب عند كثير من الرواة - أما الأصمعي فكان يقدم ليلى الأخيلية - قال أبو زيد ليلى أكثر تصرفاً واغزر بحراً واقوى لفظاً ، والخنساء اذهب هموداً في الرثاء - قال المبرد - « كانت الخنساء وليلى في أشعارها متقدمتين لا كثر الفحول » (٣) قال الجاحظ « كانت من أفصح الشواعر والبلغاء » (٤) تجمع النصوص على أنها كانت فصيحة ، ومن المتقدمات في الشعر ، وكان توبة بن الحمير يجراها ومن لطيف شعره في ليلى قوله :
وظهرت شمس اليوم الثاني وقد اشتد الحصار وزنوبيا تحدق بنظرها إلى الشمال تنتظر عوناً من الفرس فلا ترى وتنظر إلى الغرب فترى قوافل المؤن خطأً طويلاً لا يدركه البصر حاملة الماء والذخائر والطعام لجند أورليانوس ، وغابت الشمس واسدل الليل حجابه .
واستسلمت زنوبيا لهواجسها وعزمت على الانسحاب هي وبضعة من رجالها على ظهور الهجن تطلب مدداً من الفرس وانسلت ليلاً ، وما ظهرت شمس اليوم الخامس إلا وسحابة كثيفة من فرسان الروم تتبعها . إن الفرات قريب والأمل قريب ولكن الحظ عثر بها مرة أخرى فما كادت تبلغ القارب الذي أرادت أن تعبر به النهر حتى أسرت وسيقت إلى أورليانوس ، وعرف التدمريون بعد أيام بالأمر فسلّمت المدينة .
وعاد أورليانوس إلى رومة ، وكان موكب عظيم قلّ أن شهدت مثله رومة ، أورليانوس في مركبة فخمة كان غنمها من ملك القوط ، وخزائن الشرق وجواهره في مركبة لأذينة وزنوبيا ، الأسرى الوفا مكبلين ، والحيوانات من فيلة ونمور وفهود وغيرها تسير مع رجالها صفوفاً أمامه ، ولكن الذي جعل للموكب عظمته وللنصر أهميته تلك اللبوءة المكبلة بسلاسل من ذهب تسير مطأطئة الرأس أمام مركبة الإمبراطور وأطل أهل رومة من قصورهم واستشرفوا من شرفات منازلهم يشاهدون ملكة الشرق أسيرة بين مخالب صقر الغرب واسدل الستار على إيجاد امرأة نادرة المثال .
وقد قتل في إحدى الغارات ، فحزنت عليه حزناً شديداً وقالت فيه المراثي الكثيرة ، وهي أجل شعرها وأكثره ولقد قابلت وأنصت بعدة خلفاء وامراء من بني أمية مدحتهم ونالت عطاياهم ، كمعاوية ، ومروان بن الحكم ، والحجاج بن يوسف ، وعبد الملك بن مروان .
ولقد اشتهرت في أكثر فنون الشعر خصوصاً في المديح والهجاء والرثاء كما سترى ، ولها شعائر كثيرة لا يتسع المجال لذكرها تستحق أن تجمع في ديوان خاص .
جاء في زهر الآداب ومن جيد شعر الأخيلية ترثي توبة ابن حمير الخفاجي وكان لها محباً وله فيها شعر كثير :
وهي طويلة تبلغ خمسين بيتاً ، ولها عشرات من القصائد في رثائه .
وفودها على الحجاج
كانت ليلى تفد على الحجاج فتمدحه وتنال جوائزه ، ويظهر أن الحجاج كان يحب أن يداعبها . وفدت عليه يوماً فقال لها :
« إن شبابك قد مضى واضمحل امرك فأقسم عليك إلا صدقتني هل كانت بينكما رية قط » ( أي بينها وبين توبة ) فقالت لا والله أيها الأمير إلا أنه قال لي ليلة وقد خلونا كلمة ظننت قد خضع فيها لبعض الأمر فقلت له :
فلا والله ما سمعت بعدها منه رية حتى فرغ بيننا .
وعن محمد بن الحجاج يوسف قال بينا الأمير إذ استوذن ليلى فاذن لها فدخلت امرأة طويلة دعجاء العينين حسنة الثغر فسلمت عليه فرحب الحجاج بها وقال لها ما وراءك ضع لها وسادة يا غلام ! فجلست فقال لها : ما أقدمك إلينا ؟ فقالت : السلام على الأمير والقضاء لحقه والتعرض لمعروفه فقال لها : كيف خلفت قومك قالت في حال خصب وأمن ... ثم قالت إلا أنشدك أيها الأمير قال إذا شئت قالت :
- إلى آخر الأبيات -
فأمر وكيله أن يعطيها خمسمائة درهم ويكسوها خمسة أثواب ، وفي خبر آخر وفدت عليه فقال لها انشديني بعض شعرك في توبة فأنشدته :
(١) ابن قتيبة - الشعر والشعراء - صفحة ٢٧١ . (٢) فوات الوفيات صفحة ١٧٥ . (٣) الحصري زهر الأدب جزء الرابع صفحة ٦٩ . (٤) الجاحظ البيان والتبيين جزء ١ ص ١٩٦ . (٥) الحصري ، زهر الأدب ص ٧٢ مجلد ٤ .