وأثبت أرثي مد توبة هالكاًواحفل من دارت عليه الدوائرلعمرك ما بالموت عار على الفتىاذا لم تصبه في الحياة المعايروما أحد حي وإن عاش سالماًباخلد ممن غيبته المقابرومن كان مما يحدث الدهر جازعاًفلا بد يوماً ان يرى وهو صابروليس لذي عيش عن الموت مذهبوليس على الايام والدهر غابرولا الحي مما يحدث الدهر معتبولا الموت ان لم يصبر الحي ناشروكل شباب أو جديد إلى بلىوكل امرىء يوماً الى الله صائرالبيت لا أملك أبكيك ما دعتعلى فنن ورقاء او طار طائر ( ١ )
تدل هذه الآيات على أثرها أحكمية في الموت .
كذلك نجد ذكراً لنفس الحادثة في الأغاني . أما الحصري فبعد أن يذكر حادثة قدومها على الحجاج وإنشادها له القصيدة التي مر ذكرها ( أحجاج أن الله أعطاك غاية )
وعندما نأتي على آخرها يقول الحجاج لمن عنده : « أتعرفون من هذه ؟ » قالوا : لا نعرفها ، ولكن ما رأينا امرأة أطلق لساناً ، ولا أجمل وجهاً ، ولا أحسن لفظاً الخ . ثم ينشده ( أحجاج الخ . ) ثم يطلب منها أن تنشده من بعض شعرها ، فتنشده القصيدة التي مر ذكرها ( لعمرك ما الموت عار على الفتى ) . فقال الحجاج لصاحب له : اذهب اقطع لسانها ، فدعا لها بالحجام ليقطع لسانها . فقالت له : ويحك إنما قال لك الأمير ، اقطع لساني بالمساءلة ! فارجع إليه واسأله . فسأله ، فاستشاط غيظاً وهم بقطع لسانه . فقالت : أيها الأمير ، كاد ينقطع مقولي ، وأنشدته :
حجاج أنت الذي ما فوقه أحدإلا الخلافة والمستغفر الصمدحجاج أنت نهاب لحرب إن نفختوأنت للناس نور في الدجى نمد (٢)
دخلت على الحجاج فلما رآها طأطأ رأسه ، حتى ظنت أن ذمه قد أصابت الأرض . . . فسألها الحجاج عن نسبها فما نسبت له قال لها . يا ليلى ما أتى بك تحفقات : إخلاف النجوم ، وقلة الغيوم ، وكلب البرد وشدة الجهد ، وكنت ما بعد الله الرغد . . . فقال لها صفي بلاد الفجاج . فقالت : الفجاج مقبرة ، والأرض مقفرة الخ . ثم قالت إني قلت في الأمير قولا قال هاتي . فأنشأت تقول ( أحجاج لا يفلل سلاحك إنها المنايا الخ . وقصتها طويلة معه لا مجال لذكرها وكلها تدل على نفوذها عنده وشاعريتها وغزارة شعرها ، والعطايا التي كانت تنالها منه .
أخيراً قال لها : لك حاجة بعدها ؟ قالت تدفع إلي النابغة الجعدي ، قال قد فعلت ، وقد كنت شجعه وجوجوها . فبلغ النابغة ذلك ، فخرج هارباً عائذاً بعبد الملك فأنبته إلى الشام فهرب إلى قتيبة بن مسلم بخراسان فأثبته على البريد بكتاب الحجاج إلى قتيبة فماتت بقومس .
ليلى الأخيلية عند معاوية
بينما معاوية يسير إذ رأى ركباً ، فقال لبعض شرطه ائتني به وإياك أن تروعه فأتاه فقال أحب أمير المؤمنين ، فقال إياه أردت ! فلما دنا الراكب حدر لثامه فإذا ليلى الأخيلية أنشأت تقول :
معاوي لم أكد آتيك تهويبرحلي نحو ساحتك الركابتجوب الأرض نحوك ما تأنيإذا ما لاح كم قتب السرابوكنت الرتج وبك استعاذتلتنعشها إذا بخل السحاب
فقال لها ما حاجتك ؟ أنت أمي مثلي يطلب إلى مثلك حاجة ، فتخير أنت ! فأعطها ثم بين من الآل ثم قال أخبريني عن مضر ! فقالت فاخر بمضر وحارب بقيس ، وكثر بتميم ، وناظر بأسد ، فقال : ويحك يا ليلى فما يقول
الناس كان توبة ؟ ثم تصفه وصفاً جميلاً بكلام مسجع - وتقول فيه بعض الأبيات - ثم يقول معاوية ، ويحك يا ليلى ، يزعم أنه كان فاجراً فقالت من ساعتها مرتجلة - ولا أدري في صحة هذه الرواية - :
معاذ الحي كان والله توبةجواداً على العلات جماً نوافلهأغر خفاجياً يرى البخل سبةتحلب كماء الندى وأناملهعفيفاً يمد الهم صلباً قناتهجميلاً محياها قليلاً غوائلهبيت قرير العين من كان جارهويضحي بخير ضيفه ومنازله
فأمر لها بجائزة ، ثم يسألها عن أجود ما قالته فيه فتقول ولقد أجدت حيث أقول :
جزى الله خيراً والجزاء بكفهفتى من عقيل ساد غير مكلففتى كانت الدنيا تهون بأسرهاعليه فلم يترك جم التصرف
فروها على عبد الملك بن مروان وقد استت فقال لها ما رأى فيك توبة حين هويك ، فات ما رآه فيك الناس حين ولوك فضحك عبد الملك حتى بدت له سن سوداء كان يخفيها (٣) يروي الحصري الحادثة ذاتها . (٤)
المهاجاة بين ليلى الأخيلية والنابغة الجعدي
يذكر الاصفهاني ، كيف هجاها ثم هجته فقلبته ،
ثم في بني حمدة قولها فاجتمع الناس منهم وقالوا «والله لتأتين صاحب المدينة» أو أمير المؤمنين فليأخذ لنا بحقنا من هذه الخبيثة ، فإنها قد شتمت أعراضنا واغترت علينا فتهيئوا لذلك ، وبينها هم يريدون أن يستعدوا عليها فقالت :
أتاني من الأنباء أن عشيرةبشوران يزجون المطي المذللا (٥)
وجاء « في الشعر والشعراء » أنها هاجت النابغة الجعدي وكان مما هاجاها به قوله ، إلا حيا ليلى الخ . فأجابته وفاقته :
ألا نغ لم تنبغ ولم تك أولاوكنت وشيلاين لبيين مجهلا (٦)
ولها أيضاً مديح في آل مطرف .
ورثت عثمان بن عفان فقالت :
أبعد عثمان ترجو الخير أمتهوكان آمن من يمشي على ساقخليفة الله أعطاهم وخولهمما كان من ذهب جم وأوراقفلا تكذب بوعد الله وأتهمهولا توكل على شيء بإشفاق
وقد توفيت بقومس على جانب الفرات .
فنرى مما تقدم أن ليلى كانت لا تقل شهرة عن بقية الشعراء المشهورين . وهي تختلف عن بقية النساء اللواتي سيرد ذكرهن بأنها قد طرقت جميع فنون الشعر فأكثرت وأجادت وتنقلت من خليفة إلى آخر كسائر الشعراء المعروفين ومدحتهم ونالت جوائزهم وكانت القبائل تحسب حساباً لهجائها الخ .
(١) فوات الوفيات الجزء ١٥ في ص ١٧٥-١٧٦ . (٢) الحصري ، زهر الآداب صفحة ٧٦ . (٣) الحصري ، زهر الآداب ، مجلد ٢ ص ٧٣ - ٧٤ . (٤) ابن قتيبة الشعر والشعراء ص ٢٧٢ ، الحصري ، زهر الآداب ، ص ٨٠ . (٥) الحصري ، زهر الآداب ، مجلد ٢ ص ٧٥ . (٦) الأغاني الجزء الخامس ص ١٧-١٨ . (٧) ابن قتيبة ، الشعر والشعراء ، ص ٢٧١ .