لم تنطق شفتاك بالكلمة التي كنت انتظر، ولكن يا حبيبتي، تكلمت عيناك...
وكان كلامها أفصح من كل بيان.
ثلاث سنوات عشناها نكتم الحب ولا نفصح، ونخفيه عن الناس فلا يدري به أحد.
وكان أقسى ما في هذا الكتمان، والده، أني أخفيت الهوى عنك، وأخفيته عني، مخافة أن يتبدل إذا أبيح، أو يغدو ككل حب إذا درى به الناس.
إلى أن كان أمس، فابحت لك مخابئ نفسي، وبحت لك بسر صدري، وهمست في أذنك خفوت الحب، ورجع الشوق، كتمتمات الطفل، وهينات النسيم، وحفيف الأوراق!...
فأصغيت، ولم تحيري، وسمعت، ولم تجيبي، وظللت صامتة، ولكن يا حبيبتي، تكلمت عيناك...
قلت لك، ويدك الصغيرة في يدي؟ أريد منك زاداً لبضعة أيام سأمضيها بعيداً عنك، وغذاء لنفسي الجائعة، الظامئة إليك، وكلمة واحدة أجعل من صداها في أذني موسيقى علوية تصغي إليها روحي.
قلت لك أنني جعلت في صدري هيكلاً حاراً أعبدك فيه ليل نهار، وأجلستك كبعض آلهة الأوثان، على قاعدة من قلبي ورحت أحرق لك البخور، وعشت معك في دنيا الخيال، هنيهات من العمر لم ينعم بمثلها العشاق من قبل ومن بعد.
فأصغيت، وابتسمت وضغطت يدي على يدي، ولم تتكلمي، ولكن يا حبيبتي تكلمت عيناك...
هاتان العينان السوداوان، الواسعتان كالآفاق، العميقتان كالليل، المظللتان بأهدابها المتكسرة الطويلة، قرأت فيها سطراً من تاريخ حياتي، كتبه القدر حين وصل قلبك بقلبي، ووضعني في طريقك. وعبثاً تحاولين أن تكتمي الحب، أو تخفيه، فقد تكلمت عيناك...
وقالتا: أحبك.



