
يحتمل ان تكوني من اصفى النساء بصيرة في كل العالم . ويحتمل ان تكون معرفتك للحياة قد وصلت الى درجة عالية من الرقي . ويحتمل ان يكون فهمك للامور واختباراتك في جميع الاحوال والظروف تساعدك على معرفة الطريق السوي . ولكن عندما تختص القضايا بطفلك ، فانك تظهرين ضعفاً واضحاً وتقصيراً كلياً في حكمك . أليس ذلك حقاً ايتها السيدة ؟ فاي نوع من الامهات انت ؟ هل تقدرين ان تدعي انك تتصرفين تصرفاً معقولا في معاملتك لطفلك ؟
ولكي نساعدك على الاجابة عن هذه الاسئلة بطريقة يسيرة فاننا نبين ادناه اوصاف اربعة انواع من النساء . فاي نوع تنتمين اليه ؟
ان ولاءها ونشاطها اللذين لا حد لهما يجعلانها ان تكون اماً كاملة ، حيث ان افكارها متمركزة في طفلها المحبوب ليل نهار . لكن الافضل لهذه الام ان تقلل جزئياً من سهرها وولائها لان الامومة لمثل هذا النوع من الامهات انشغال بال حقيقي . فهي تعيش هلعة جزعة من كارثة تصيب طفلها واذا تكلم انسان معها يحصل عنده الانطباع بان طفلها معرض لاشد الاخطار التي لم يتعرض لها طفل مثله في جميع العالم والطفل الذي تربيه مثل هذه الام لا يكون سعيداً مهما بلغ اعتناؤها به وحدبها عليه .
فخوف الام الذي يلاحظه الطفل مراراً يتغلغل في رأسه الصغير وقد يؤثر عليه ويجعله خاملاً وحساساً وضعيفاً عند الكبر .
اما من جهة الام فتكون الحياة لها لا تطاق اذ هي لا تقدر على ترك الطفل لوحده ولو لبضع لحظات لانها تعتقد بعدم وجود من يفهمه او يهتم به اكثر منها . ان هذا النوع من الحب انانية محضة . والام القلقة المنهمكة بامتياز وواجبات الامومة الى هذه الدرجة تكون نهايتها اعمال سعادة وفلاح طفلها . فهي من ذلك النوع الذي يمنع الطفل من قضاء وقت طويل في مطالعة الدروس خوفاً عليه من التعب او تحول بينه وبين الركض خشية سقوطه وهكذا دواليك...
واما من جهة الطفل فانه سيدرك ما لشخصيته الصغيرة من السلطة على امه ، ذلك الامر الذي يؤدي به الى استغلال تلك السلطة ومن ثم يدب الفساد الى طبائعه وعند كبره يكون انانياً ومكروهاً على وجه العموم .
انها تشبه الام التي وصفناها آنفا من اوجه عديدة والامومة في عرفها انشغال بال حقيقي وافكارها واحاديثها مستقرة في طفلها . اما الزوج والاقارب والصديقات فهم يأتون بالدرجة الثانية في الاهمية . اذا ذهبت
لزيارتها فطفلها موجود معها على الدوام يتمم بملاحظات سخيفة واهية وسط الحديث وهي تنظر اليه بزهو وتفاخر بدرجة تجعل الزائرة تغلي من غيظها وتتمنى لو تستطيع صفعه لتاديبه . ولكن يجب ان تعلمي ايتها القارئة العزيزة ان الطفل في مثل هذه الاحوال لا ذنب له فهو قد تعود على ان يكون مركز الاهتمام وهو بالطبع لا يستطيع ان يفهم ان الكبار يهتمون بشؤون اخرى . فاذا كنت تلك الزائرة وتكلمت عن الحرب فسرعان ما تبدأ الام بالتشكي والقول ان طفلها المسكين يحتاج الى الالبسة بسبب توزيع الاقمشة بموجب نظام البطاقات ، واذا تكلمت عن الطقس فلا بد انها ستدعي ان احوال الطقس تؤثر في طفلها . نعم انها قد تعترف في بعض الاحيان ان طفلها «وقع» تعزى الى ذكائه الخارق واحساسه الممتاز، ثم تجد لها الاعذار لعدم تأديبه لانها لا تود ان تقتل روح الاستقلال فيه . ان مثل هذه الام لعبء ثقيل على صديقاتها ومعارفها وستكون عبئاً ثقيلاً ايضاً على طفلها ونفسها .
ومع انها تحب طفلها ايضاً حباً فائقاً لكنها لا ترضى بان تضحي بحياتها الاجتماعية من اجله فهي حاضرة في كل دعوة ومجلس ولا تفوتها لعبة الورق او الذهاب الى دور السينما . نعم انها ترى طفلها لمدة ساعة
او ساعتين في اليوم عندما نحن الة فتأخذ بتقبيله او ملاطفته. لكنها لا تحب ان تهتم به او تغسله او تجالسه في اوقات غذائه او نومه . ومن الطبيعي ان مثل هذه الام لو كانت غنية فان طفلها يتربى تربية صحية جيدة تحت رعاية مربية قديرة لكنه يكون على الدوام فاقداً لعطف امه وعنايتها اللتين لا يمكن ان تعوضا .
لها اخطاؤها ايضاً . وهل هناك من بشر معصوم عن الخطأ ؟ غير ان الطبيعة قد منحت مثل هذه الام جرعة من الحكمة المتوازنة التي تنتج اماً كاملة .
ليس هناك ادنى شك في حبها وتكريسها وقتها لطفلها ، الا ان غريزتها وعقلها يوحيان اليها بان هناك ملايين من النساء في هذا العالم يتمتعن بامتيازات الامومة وحقوقها مثلها .
وهي تعلم الخطر الذي يتأتى من الحب الاعمى . انها تريد ان ينمو طفلها حراً طليقاً ومتمتعاً بعطف وحماية امه ، لكنها تتصرف بكل تؤدة وتفكر وتعمل مستقلة الرأي حالما تجد ان قابلية طفلها العقلية اخذت تقوم بعملها . وكذلك هي تعلم متى تفرض عليه الطاعة ومتى تسبل عليه حبها .
فالام من هذا النوع تستطيع ان تؤثر تأثيراً عظيماً على حاضر ومستقبل طفلها . والفضل في نجاحها يرجع الى عقلها وحنانها الوالدي العميق الغور والمجرد عن الانانية العمياء .