سمعت به فلم أصدق مسمعي لأول وهلة. هو شيخ بقوة الشباب، غريب الأطوار، كث الشعر أبيضه كما قال لي محدثي وكان قد رآه مرة يسير وبيمناه عصا غليظة لا ليتوكأ عليها بل ليقي بها نفسه عند الحاجة. لأنه كان يأوي إلى مغاور الجبل بجوار أفقه وإلى كهوفه، الأرض وطاؤه والسماء غطاؤه.
والغريب في أمره أنه مع جنونه المطبق، كان شديد العطف على الصغار، فلا يبتسم إلا عند رؤيتهم، فيحاول التقرب إليهم فيهربون صارخين مجنون الجبل! مجنون الجبل! فيقف حائراً مذهولاً محدقاً إليهم بعينين تائهتين ثم يهز رأسه يمنة ويسرة ويبتسم ابتسامة عذبة ويرد شعره الأبيض المجلل رأسه إلى الوراء ويسير صعداً في الجبل.
كان يقضي طيلة الأسبوع متجولاً حائراً، يتحاشى الناس ويميل عنهم، وهم يخفونه ويرهبون شره.. فكانت المرأة عند رؤيتها إياه تستعيذ بالله منه ومن شؤمه وتهرب حاملة طفلها بين يديها إن كانت معها طفل، أما الرجال فكانوا يقفون بعيدين حذورين متجاهلين وجوده ومتجنبين شر الاصطدام به.
وكان سكان القرى التي يمر بجوارها يعرفون الأيام عندما تغيب عن بالهم بمروره في اليوم ذاته كل أسبوع وفي ذات الوقت تقريباً بضواحي قريتهم ثم ختم كلامه محدثي قائلاً:
- أتعرف برج « محيش ».
- كلا، أين هو؟
- هو برج على شاطئ البحر قبل أن تصل إلى جبيل قرب نهر إبراهيم، يقوم منفرداً بجوار الأمواج وقد تداعى بنيانه أو كاد وهو أثر من آثار الأقدمين يمر الناس الآن بقربه فيتلهون بصراخهم «برج محيش» فيسمعون الصدى يرجع أصواتهم كما يزعمون «ويشك ويش». إلى هذا البرج المقفر الرهيب يأوي في بدء كل أسبوع مجنون الجبل ويجلس على دكة مرتفعة فيه محدقاً إلى البحر الأزرق طيلة اليوم إلى أن يرى الشمس وقد أصبحت كرة حمراء تغيب وراء الأفق البحري البعيد، فينزل عن دكته ويبيت ليلته بين خرائب البرج المرهب وأنقاضه! لا الوحدة توحشه ولا الخوف يبعده! إلى أن غلب حب
الاستطلاع على بعض شبان القرى المجاورة فاقتربوا والحذر رائدهم إلى جوار البرج المخيف فسمعوا ألحاناً شجية تملأ الفضاء حولهم - ألحان مزمار المجنون وقد هدأ الليل وسكنت الطبيعة، يرسلها متصاعدة مع أنفاسه فتثير الكوامن وتهيج الشجون!
صوت مزمار المجنون يدوي في ذلك الليل البهم فيزيد الموقف رهبة وخشوعاً! صوت يفيض بالألحان الشجية البسيطة المؤثرة تخرج من تلك القصبة الصغيرة ذات الثقوب وهو ينفخ فيها نفخاً متواصلاً ويلاعب أصابعه على ثقوبها! ألحان شرقية سائمة تعيدك إلى أحضان الطبيعة فتسمع فيها أنين الألم وحشرجة الشقاء، وثورة اليأس تسمو بك إلى الملأ الأعلى ويرتفع صوتها الممتد المتواصل اللامتناهي فيخال لك أنك تسمع حنين المقهور الثر وقد تطاول في هدأة الليل، ثم يخفت صوتها تدريجياً لحناً فلحناً إلى أن يتلاشى نفساً في نفس فيبدو لك أنك تسمع حتى بعد سكوت القصبة، وهدوء الأصابع كأنما طربت للحن الأرواح فهي تردده بخفوت، وتردده معهم نفسك التي تمت إليهم بصلة!
كل هذا ومزمار المجنون يعود فينتقل من لحن إلى لحن كالعصفور الغريد، وبينما أنت في نشوة الحزن والألم إذ بك تسمع اللحن وقد أخذ يتقطع، والوقع ينتظم والأصابع تتلاعب بسرعة، فلا تشعر إلا وأنت تهز رأسك تباعاً لرقص تلك الأصابع وانتظام تلك الألحان وتشعر أن كل عضلة من عضلاتك تهتز باهتزازها، كل هذا والسرعة تزيد رويداً رويداً، فتتجلى لديك حقيقة الفوز بعد الخذلان والراحة بعد الألم والسرور بعد الشقاء والضحك بعد الأنين، فتسمو بك نفسك إلى مجابهة الطوارئ، مهما كانت ولو قادك الزمار في تلك الدقيقة إلى الموت لما أحجمت!
وفي اليوم التالي كان الزمار المجنون يغادر البرج إلى مصب نهر إبراهيم وهناك يشتري حمل دابة من المأكولات ويسير بها إلى بيت ناءٍ بعيد، حيث طفلان صغيران يسكنان مع أقرب الناس إليهما بعد موت والديهما فيضع المأكول أمام الباب ويسير ميمماً الجبل تابعاً مجرى النهر الكبير إلى أن يصل بعد مسير أيام إلى شلالات أفقه وهناك يقضي يوماً أو يومين باكياً منتحباً، وأنين مزماره يملأ الفضاء، حول بقايا هيكل قديم إلى أن يعود مرة أخرى إلى برج محيش، في بدء الأسبوع التالي، حيث يعيد الكرة... وهكذا دواليك شهراً بعد شهر وعاماً بعد عام.
شاقني حديث محدثي وأثار في رغبة التعرف إلى ذلك الرجل الغريب الأطوار فسألته:
- ومن أين جمعت كل هذه المعلومات عنه.
- من سكان القرى هنالك.
- وهل أستطيع رؤيته.
