- اذا كان لا يزال حياً يرزق .
فتغلبت على خوفي الطبيعي ممن بهم مس وقلت ان خير ما استطيع عمله ان اباغته في بدء احد الاسابيع وهو في برج محيش فان في حياته لسراً جذاباً ! والا فما معنى ذلك العطف على الصغيرين اليتيمين ؟ وتلك الرحلة الاسبوعية من انقاض برج قديم على الشاطئ الى بقايا معبد في اعالي الجبال ! ولم هذا المجنون وهذا الانزواء ؟ ولذا عولت على اغتنام اقرب فرصة اتمكن بها من كشف خبايا مجنون الجبل !
ولا ادري ما الذي حدا بي الى اخراج تصوراتي هذه الى حيز الفعل ، فامتطيت سيارة في مساء احد الايام فاقتلني الى جوار برج محيش وهناك تربصت هنيهة الى ان ساد الظلام وسرت بين الحقول اليه . ولا اكتم القارئ ، اني كنت شديد الخوف واجف النفس ، لا سيما والظلام الدامس المحيط بي يزيد المكان رهبة وخشوعاً وانا لا اجسر على اضاءة طريقي بمصباحي الكهربائي لئلا اثير مخاوف المجنون فينقض علي ، او يهرب مني .
وكدت مراراً عديدة اتراجع هازئاً بنفسي لتجشمي تلك المشاق في سبيل رؤية مجنون ! وهوذا العصفورية ملانة بامثاله ! الا ان دافعاً داخلياً لا ادري كنه كان يدفعني فاتغلب على مخاوفي واقترب حذراً وانا اتعثر بالصخور النانئة والحجارة المبعثرة والاشواك الجارحة ، تارة اقع في وهدة وطوراً اصطدم بمرتفع صغير ، الى ان احسست بشيء مستدير يلطمني على راسي في ذلك الظلام الدامس ، فدب في الذعر اكثر من قبل ، ووقفت في مكاني واجماً نادماً على تهوري ، ولمست راسي وقد زين لي خوفي ان المجنون رماني بحجر فشدخه ، لولا اني بعد هنيهة فطنت الى الوطواط الحائم فوقي فعرفت سبب الصدمة فثاب الي رشدي قليلاً .
وليس ارهب من الوقوف في الظلام الدامس وقد سكن الليل وهدأت الطبيعة فيخال المرء نفسه وهو لا يسمع نأمة انسان انه الوحيد الباقي على سطح الارض ، لولا هدير البحر المتواصل ، واصوات الحشرات المختلفة تصفر صفيراً يزيد الليل رهبة وتأثيراً . سكون متواصل ، تستغر به الاذان التي انهكتها ضجة المدينة ، فيستهويها وترتاح اليه ، ويعود الى المرء ذلك الشعور الغريزي الاولي فيه ، وليد الايام التي كان فيها الانسان يتجول في الغابات والاحراج ، يكافح عناصرها وتكافحه ويهاجم وحوشها وتهاجمه .
ويعود اليه شيء من الاعتقادات الوهمية التي تغلب عليها العلم ، ( هذا اذا كان متعلماً ) فيخشى اشباح الليل ويتوهمها متألبة حوله ، فيكاد يعتقد بالغول والعنقاء ، والجان ، والشياطين ، فكيف به لو كان جاهلا يملأ جهله الفضاء رعباً ووهماً ، ومردة وارواحاً .
حاولت جهدي في امتلاك عواطفي فاخذت اعيد على الذاكرة
اختبارات الماضي المعقولة علها تطرد هذه الوساوس الليلية ، وبينا انا هكذا واعصابي منبثقة حذرة ، تكاد لاقل مفاجأة ترغمني على القفز والفرار رجوعاً ، اذ بي اسمع صوتاً من داخل البرج الرهيب الموحش ، يقول ضاحكا :
- اهلا ... اهلا ... لقد عدت يا ادوناي ... هوذا اجيال مرت وانا بانتظارك !
ولا اكتمك اني ركضت رعباً وذعراً عشرين خطوة الى الوراء لشدة تأثير صوت المجنون المفاجيء في ذلك الليل . ولم اقف الا بعد ان سمعته يقهقه ضاحكا ويقول :
- لا تخف يا ادوناي ... هل اصبحت مخيفاً الى هذه الدرجة ! نسيت صديقك القديم اشمون ؟! اقترب مني .. ولا تخش شراً ... اهلا بك يا صديقي !..
ذاك كان آخر سهم في الكنانة ، اثبت لي جنونه ان كان لا يزال لدي شك به . ادوناي ؟ اشمون ؟ اين قرأت هذه الاسماء ؟ انها قديمة وقديمة جداً . يعود تاريخها الى الاف السنين ! ترى هل جنونه من ذلك النوع الذي به يتوهم المرء نفسه متلبساً شخصية اخرى كذاك الذي يدعي في العصفورية انه امبراطور المانيا ! ادوناي ! اشمون ! اسمان بادا منذ الاف السنين ! وقطع علي مجرى افكاري وخوفي اقترابه مني وانا ثابت في مكاني وقد تغلب حب الاستطلاع فيّ على الذعر ! واذا به يقول لي :
- اضيء مصباحك الكهربائي لترى طريقك . اني اراه بيدك بالرغم من الظلام الدامس فعيناي الفتا فحمة الليل كهذه الوطاويط التي تؤنس وحدي ! ان الظلام نوري الوحيد !
ومد يده يروم مصافحتي ، فذببت في الخوف ثانية والتفت خلفي وانرت طريقي بغتة وقفزت الى صخرة مجاورة صارخاً به وقد وقف شعر راسي .
- لا تقترب مني ! احذر .
ثم صوبت النور الى وجهه فوضع يده على عينيه وقال :
- عار عليك يا ادوناي ان التقي بك بعد الاف السنين هذه وتعاملني هكذا ! انسيت كيف كنا معاً صديقين حميمين ؟ انسيت حبيبتي قدس الظبية الرائعة في خمائل لبنان ، والراشقة زهور الطيب والاقحوان ، نرجسة البرية وسوسنة الوادي ! انسيت كيف كنا نسير معاً تحت ظلال الاشجار ، عند فيثاغوروس الحكيم ؟ لا تخف . اذن مني يا صديقي فقد آن وقت اللقاء .
فعجبت لهذه المتناقضات في كلامه ، الا انها نمت عن ادب جم ولغة شعرية جميلة . وفيثاغوروس الرياضي المشهور والفيلسوف القديم الذي مات منذ آلاف السنين ! ماذا يعرف عنه هذا المجنون ؟ انه مثقف اذن ومتعلم ! فبدأ تأثري قليلا واخذت اسائله عن بعد مختلف
