المواضيع العلمية والادبية فاذا بظنوني تتحقق ، واذا بي ارى أمامي رجلا . معتوها ؟ نعم ! ولكنه لا شك من ذوي العلوم العالية ، فاشفقت عليه ، وتحول الخوف منه الى رأفة به ولكن من انا لأرأف او أشفق ؟ ومن يدري الحدود الفاصلة بين الجنون والعقل ؟ انه في عرفه هو العاقل الوحيد وانا المجنون . انه يرى في احد اصدقائه الاخصاء وانا اهرب منه افلا يعد عملي في نظره جنوناً ؟
واعادت الي هذه الفكرة طمأنينتي واذكت نار رغبتي لمعرفة الرجل تمام المعرفة ، فدخلت معه الى داخل البروج ، وجلست على صخرة بقربه وهو ينظر الي باسماً متأملاً .
وبعد سكوت عميق التفت الي وقال :
- لقد اصبحت كبقية الناس . تنعتني بالجنون ولا شك ! وتخافني كما يخافوني .
فاجبته مبتسما علماً مني بان هذا انجع وسيلة مع المجانين .
- اني لا اخافك والا لما دخلت معك .
ووقفت بغتة ، فاخذت اراقبه دون ان ادعه يشعر بذلك لئلا يظن اني اخشاه فيضر بي جنونه ، ثم نظر الى البحر ملياً وقال :
- هنا يا ادوناي القت قدس بنفسها وماتت وانا اراقبها عن كثب ... تباً لي من جبان ... لا شهامة عنده ...
فلم اجد افضل من هز رأسي متألماً معه كمن فهم من هي قدس ولماذا رمت بنفسها في اليم ، مع اني كنت حقيقة « كالاطرش في الزفة »
- وهنا وجدتني وعزيتني وخففت آلامي ! ولكن لا عتب عليك اذا نسيت ، فروحك لم تفلت بعد من قيود الجسد لتذكر الماضي فاصغ اعد عليك ذكرياته المؤلمة !
صمت برهة ثم قال :
- أتذكر يا صديقي يوم كنا مبتدئين في حلقة فيثاغورس السرية ؟ الا تفقه ما اقول ؟
فهززت رأسي بالايجاب فعاد الي صمته ثم حدق بعيداً الى الافق كمن هو في حلم واعترته قشعريرة غريبة وخاطبني قائلاً :
- كنا ثلاثة معاً منذ آلاف السنين ، انت وهي وانا ، نلعب معاً ونفرح على هذا الشاطئ الجميل ! الطبيعة لم تتغير كثيراً لو لم يعرّها الانسان من اشجارها انما لا يزال هذا البحر بحراً ! وهذا الشاطئ شاطئاً ! مئات من السنين مرت ايام كان العرب الفينيقيون - واقول عرباً لانهم ابناء هذه الجزيرة العربية التي نمت كلنا اليها بصلة العنصر والنسب لا كما يحاول ان يصورهم لنا تنبثقون - ... ت من السنين مرت في عرفنا ونحن مقيدون بقيود الجسد ولكنها لحظات ونحن في حياتنا الروحية الحرة الطليقة
كنا نلعب معاً منذ الصغر ، وكان والدي صديقاً حميماً لوالدها ، وكنت دائماً ترافقنا وتسهل علينا امورنا الى ان كبرنا فتأسس الحب المتين بيننا .
احببتها واحبتني ظبية لبنان الوثابة ، في المروج والمراعي ، في الوهاد وعلى ضفاف السواقي كنا نجتمع معاً .
هي لي وانا لها حبيبتي الطافرة بين الغابات !
من هذه القادمة من بعيد ، المتراقصة بين ازهار الحقول والبساتين ؟
من هذه الجميلة بين الفتيات ، والملكة بين العذارى ؟
عيناها ترشقان سهماً ، وقلبها يتقد حباً وغراماً . هي قدس !
حبيبتي يا ادوناي ! ظبيتي الرائعة في خمائل لبنان !
ايه يا ادوناي الا تذكرها ؟ لقد احببتها مثلي ولكنك ضحيت بحبك عندما عرفت انها لا تستطيع مبادلتك اياه ، لتعلقها بي فكنت الصديق ، وكنت الودود ، وقنعت من حبك بسعادتها وسعادتي ! لهذا عشقك قلبانا وعرفنا فيك معنى الاخاء والمحبة الخالصة ولهذا تراني الان مغتبطاً بعودتك ، منتظراً قدومك الي ، لان الصداقة الحقيقية لا يفصم عراها تكرار الاجيال ! انها ازلية !
فبدأت عندها اشعر بشيء خفي في داخلي ، يحن الى الماضي الذي لا عهد لي به ، ويتوق الى مصافحة مجنون الجبل كصديق قديم ، وكدت ادرك سر هذه القوة الجاذبة التي جرتني الى عملي الجنوني لمقابلته في ذلك المكان المنفرد ! لا ادري انما هنالك حاسة خفية تنبهت في داخلي كأنما تود الافلات من قيودها ولا تستطيع ! فقلت له :
ولكن لا افهم ماذا تقول ! كنت صديقك وقدس منذ الاف السنين ولكنني لم اتجاوز الثلاثين ربيعاً بعد ؟ ولا اذكر اني رأيتك قبلاً او سمعت بقدس الا في كتب التاريخ .
فاجابني وهو يبتسم :
- لا عجب فيما تقول ! فنفسك مقيدة بجسدك وما دامت على هذه الارض فلا تستطيع ادراك ما ادركه انا ، ولا يمكنك تذكر حياتك الماضية منذ الاف السنين على الارض هنا .
- انما . . كيف ادركت هذا وانت مثلي مقيد .
- لقد حدث لي ما افلتني من قيودي ، فرأيت بغتة عظمة الماضي البعيد القريب كمن يشرف على واد عميق مرتفع شاهق ! الا تذكر ما علمنا اياه شيخنا فيثاغورس عندما غادرنا هذه البلاد في طلب الحكمة معاً ، لاعود بعدها ذائع الصيت ، رئيساً في قومي ، فاكون اهلا لقدس كما اشترط علي والدها حباً بنا ورفعة لشأننا . الا تذكر كيف وصلنا الى معقل الحكيم وامتحننا امتحانات عديدة قاسية ، ليختبر ثباتنا واهليتنا لقبول الحكمة ، فصمنا اربعين يوماً لا نأكل الا الخبز اليابس ولا نشرب الا الماء الساخن ؟ ثم كيف اجتمعنا معاً في غرفة مظلمة وقادنا اثنان من اتباعه ، في ممر ضيق مظلم فمررنا وسط النار المحرقة ، واصوات مرعبة مخيفة تقلق مسيرنا الى ان وصلنا الى باب مقفل فيه حلقتان ، وما كدنا نمسك بهما حتى هوى الباب بنا واشرفنا على هاوية عميقة وظللنا هكذا برهة رأينا الموت فيها متجسما
