لدينا ، الى ان اذن لنا اخيراً بالانخراط في سلك جمعيته السرية ؟ الا تذكر كل هذا ، وما علمنا اياه من العلوم الى ان كشف لنا اخيراً عن السر المصون - حكمة الايام والقرون - عن النفس البشرية وكيف تسقط من حالق عزها وموطنها في الانوار الساوية وتتخذ الجسم قيداً لها لتتطهر وتخلص من ادران الماضي ، فان لم تفعل ذلك عادت مرة بعد مرة باجسام مختلفة حتى يتاح لها اخيراً بعد تجارب عديدة مدة الاف السنين ، العودة الى موطنها الاصلي ؟ تلك الاحقاب تعدها بالاف السنين ولكنها في نظر النفس الحرة الطليقة ، لحظات معدودة !
عشنا معاً يا ادوناي وها كنا نعود الان الى الارض وقد فتحت عيناى فرأيت ما رأيت وانت لا تزال مغمضها فلا ترى ما ارى !
اذكر كيف عدنا من مدرسة الحكيم الاكبر الى وطننا ، وكلي شوق لرؤية ظبيتي الرائعة في خمائل لبنان ، قدس منية الفؤاد وحبيبة الروح بعد غياب ثلاث سنوات الى ان وصلنا معاً .. ايه وياهول ما رأيت !!
سألت امي انئذ اين قدس فقالت والهم يعلو وجهها .
- ستأتي .
ولكنني عرفت انها لن تأتي .. فثار ثائري وقلت .
- اخبروني ماذا جرى لها ؟ اين هي حبيبتي ؟
فبكت امي فاحسست بثقل وطأة المصيبة وسألتها ،
- هل ماتت ؟
فاجابتني .
- كلا .
- اذن اين هي ...
وعندها دخل علي والدي وقص علي الخبر المشؤوم قائلاً
- تجلد يا ولدي .. تجلد يا اشمون ! فقدس لم تعد لك . لقد طلبتها الالهة !
فجبت وانا ثائر ثورة الطبيعة ايام الشتاء
- الالهة ؟ واي دخل لها مع حبيبتي ؟
- لا تكفر يا بني ! لقد ذهبت منذ ايام الى معبد افقه ، لتقدم جسدها متعة دينية ، حسب وحي الالهة !
- جسدها متعة دينية ؟! ايه .. ذلك الجسد البض الناعم ، الذي طالما لامسته وشغفت به ، ذلك القوام الفتان ، وتلك الزنود الطرية التي طالما منيت النفس بمداعبتها ستصبح متعة دينية لرواد معبد افقه ! انها ملكي ، انا ، وليست ملك الالهة او احد سواها !
وانك لتذكر ولا شك كيف قمت تواً وسرت الى مصب نهر ادونيس ( نهر ابراهيم ) ميمما رؤوس الجبال وبغيتي معبد افقه ، علني انقذ جسد حبيبتي من ان تعبث به يد الحجاج والرواد ! تلك كانت
فريضة دينية لكل من ام المعبد ! وتبعتني انت وسرنا معاً الى ان وصلنا بعد ثلاثة ايام وقرعنا باب المعبد !
اذكر ، اذكر يا ادوناي ، حاول ان تتغلب على قيود الجسد وعد بالمخيلة الى ذلك المعبد الجميل ! كيف دخلنا الى حماه ، المظلل بالاشجار الباسقة ، من ارز وصنوبر ، وكيف تجولنا والنسيم يداعبنا وسط مرآته السحرية الفاتنة الى ان وصلنا الى باحة نمت في وسطها الاعشاب الخضراء والازهار المختلفة الالوان وترقرق الماء جارياً بين ثنايا سطحها ، واذا بنا نرى في مؤخرة المكان كوخاً من اغصان الاشجار جميلاً ظليلاً ، وحوله العذارى الكاهنات مستلقيات على العشب شبه عاريات ! اجسام حنطية بضة متألقة تحت اشعة الشمس النافذة من خلال الاغصان ، وقد ضفرت اكاليل زهر الرمان الارجواني حول رؤوسهن ، وفاح عبير المسك والبخور من كوخهن وهن ينشدن الاناشيد الجميلة لادونيس ، اله الجمال والشباب والفتوة على توقيع المزمار بمنظر يهيج الشعور الكامن والحس الجنسي الخافت وكيف عندما اقتربنا قمن متثاويات منثنيات ، والغنج والدلال يبدو في حركاتهن وسكناتهن ! واخذن يرقصن الرقص الديني المشهور تارة يرفعن ايديهن الى الفضاء مستجيرات ، وطوراً يسجدن حائرات وقد ذبن وجداً وهياماً وتقاطيع جسومهن تبين وتبرز فتثير الكوامن وتهيج السواكن ! ثم يستلقين معاً على العشب والازهار كأن كلا منهن تضم حبيباً لها وهن ينشدن :
من هذا الرابض كالاسد عند مجاري المياه ؟
الجبار المعتز بقوته
فاتن العذارى ومعبود الفتيات
متين كارز لبنان وزكي كعطره الخالد الفتان
هو حبيبي يا عذارى ! هو فاتني ومالك روحي
ليته يضمني اليه فارتع في جواره العذب
عندها يذوق طعم القبلة الفاتنة
عندها يدرك سر الفتوة والشباب
ذلك المنظر لن انساه ما حييت ! ولكنك لا تذكره ؟ ثم دخلنا وتوغلنا بين الاشجار مفتشين باحثين واذا بي اراها ! ايه ويا هول ما رأيت ! اراها حبيبتي قدس ، كما رأيتها انت ايضاً بين يدي احد الحجاج في المعبد ، يلاعب شعرها الذي لاعبته يداي ويتذوق قبلها التي طالما تذوقتها انا ، ويعبث بذلك الجسم الناحل الجميل ، فثار ثائري وانقضضت عليه واذا بها تتملص من بين براثنه ، مخالفة بذلك الشرائع الدينية الجائرة ، ومعرضة نفسها لانتقام رئيسة المعبد المرعب وتنطرح على قدمي تقبلها وتغمغم قائلة
- حبيبي ، حبيبي ، لقد اجبروني ، لقد اكرهت .
اما انا ، انا الذليل الجبان فلم ارأف ولم اشفق بضحية الشرائع
