الجائرة ، بل اتبعت ثورة النفس وتملكني سورة الغضب فرفعتها وظلت ارفسها حتى ادميتها وانا اقول لها :
- اذهبي يا خائنة يا بذيئة ! اهكذا تخونين عهودي ؟
وانت تحاول تهدئة روعي وارجاعي عنها فلا تفلح .
ثرت كالمجنون عندما رأيت طهارتها وعفتها مبذولة في سبيل اعتقادات شائنة ! عندما رأيتها ، ملكي ، حبيبتي ، بين ذراعي غريب عنا ! ولم اعد استطيع الوقوف فخرجت راكضاً وانت اتبع لي من ظلي .
وبعد ايام عدت الى هذا البرج وقد كان انئذ آهلاً بالجنود والحراس وانت بعيد عني في جبيل لمدة قصيرة اجبرتك فيها اشغالك على تركي مع نسيب لي هنا . ففي مساء احد الايام بينما اغلب الحراس والجنود في معسكرهم بعيدين قرب البرج اذ بي اراها - حبيبتي - اتية بين المروج فذعرت لرؤيتها وجسارتها على مخالفة قوانين المعبد التي تعاقب بالموت كل فتاة اختارتها الالهة وهربت . الا انها تجاه حبها القوي ، لم تعبأ بتلك القوانين بل اتت الي ، وهنا ركعت امامي وقصت علي كيف اجبرها ابوها الذي يخشى مخالفة الالهة على الالتحاق بمعبد افقه ، وكيف انهم نقلوها بالقوة الى هنالك ، فبانعت جداً ذاكرة اياي دائماً وكيف استخدمت عرافة المعبد شراباً سرياً لدى مانعة حبيبتي اعطتها اياه فاضاع رشدها ، وما استفاقت الا وقد اضاعت اثمن ما تملك العذراء ، فاضطرت الى الرضوخ لشرائع ذلك الزمن .
وعوضاً عن ان ارثي لها وأرق ، واقدر تلك التضحية التي قامت بها ، الهرب من المعبد ، حباً بي ، ذكرت كيف رأيتها بين يدي ذاك فثارت نفسيتي وعدت الى نفسها ، فما رأيتها الا وقد وقفت منتصبة وطوقتني بذراعيها وقبلتني قبلة طويلة ثم ركضت نحو اليم والقت نفسها بين امواجه الثائرة فلم اعد اراها .
فذعرت ، واستولى علي ندم شديد ، ووبخني ضميري على فعلتي هذه ، على وحشيتي ، وقدمت انت عندها ورأيت ما رأيت فحاولت تعزيني فلم تفلح .
ايه يا لتقريع الوجدان ويا لثورة الضمير ! لم تفارقني الآمي حتى بعد موتي الاول انئذ . .
وهاكني في هذا العهد اعود الى الارض ثانية ، تعود روحي المتألمة متلبسة بهذا الجسم ، فارى قدس وقد عادت بجسم فتاة عصرية جذابة فلا اعرفها . وكأن ذكريات الماضي لا تزال منطبقة على نفسينا فملت اليها لاول نظرة ومالت الي عندما كنا في ميعة الصبا منذ اعوام . ولست اعجب الآن من هذا الحب الفجائي ، فروحانا متآلفتان منذ الازل .
في بدء حياتي في هذه العصرية الآن ارسلني والدي لاتقن علومي في
احدى مدارس بيروت وذهبت هي ايضاً وظل حبنا ينمو الى ان عدنا الى القرية المجاورة بعد ان نلنا قسطاً وافراً من العلم .
وبينما الجميع بانتظار اليوم السعيد الذي به انال امنيتي وتنال امنيتها ، ويعقد الزواج قلبينا المتيمين ، اذا بها تهرب مع احد شبان القرية بغتة دون سابق انذار ، فيقترن بها ويسلبني اياها .
رأيتها بعد مدة ، فعاتبتها فلم تحر جواباً ، ثم نظرت الي طويلا وقالت :
- لا ادري . احببتك ولا ازال احبك . انما لا ادري اية قوة داخلية اجبرتني على تعذيبك ! اذ اني لم افعل ما فعلت الا لاذيقك مر الفراق . ومع كل هذا لا ازال احبك وابغض نفسي لانني سببت لك هذه الالام . انما لو اتيح لي ان افعل نفس الشيء مرة اخرى لما احجمت ، لازيد عذابك وعذابي .
وعندها اصابني شبه مس من الجنون فوقعت مغمى علي ، واستفقت واذا بي كما تراني الان ، ارى الماضي البعيد وادرك اني انما عدت الى الارض ثانية وعادت هي معي لانال منها مثلما نالت هي مني في حياتنا الاولى فيطهر الالم نفسي الخاطئة ، ويصهر الشقاء معدنها فتعود نقية ، اهلا لان تلتقي بروح الحبيبة النقية الطاهرة .
وبعد سنوات ماتت ومات زوجها . ولما كنت من ذوي اليسار اخذت اعتني بولديها اللذين آراهما بعض اهلها ، وهاكني ادور دورتي الاسبوعية عائشاً في الماضي البعيد متنقلا بين هذا البرج وبقايا المعبد الى ان تصهر الالام كل الادران النفسية وتعود الروح الى عالمها .


