أسفرت الحرب التي لا يزال العالم يكتوي بنارها متخبطاً ، عن هدة مظاهر اجتماعية ستقلب المجتمع الحديث رأساً على عقب ، وفي مقدمة هذه المظاهر قضية المرأة وهل يجب أن تقوم بأعمال الرجال وهل تستطيع ذلك ؟ وما فائدة المجتمع من مثل هذه الأعمال ؟
إن من يتتبع الأعمال التي قامت بها النساء في هذه الحرب يدهش لكثرتها وضخامتها . . فمن تمريض في المستوصفات ، إلى تطبيب في المعسكرات وعلى جبهات القتال ، ومن أعمال يدوية في المعامل الحربية ليل نهار ، إلى المساهمة في بناء السفن والغواصات والدبابات وغيرها من وحوش الحرب النهمة !! . .
وأخيراً من العمل المضني المحض ، والمرأة تحصد الحبوب في الحقول ، وتجمعها كوماً كوماً في سبيل التموين العام وتأمين الحياة لجيش المحاربين والسكان المدنيين ، إلى الانخراط في سلك الجندية والتدريب العسكري حيث تستطيع المرأة أن تقوم ، في مواقع الأضواء الكشافة ، ووراء خطوط القتال وفي أحواض السفن ، وفي المصانع ، وفي البحر ، وحول عمود السيارات ، بما يقوم به الرجل تماماً !!
وكثيراً ما وقفت حائراً ، مبهوراً ، وأنا أنظر إلى رسم فتاة ممشوقة القوام ، حلوة الابتسامة ، تلبس سترة بيضاء من الصوف على «بنطلون»
خشن لرجل من الرجال ، وتحمل بيدها اليمنى فأساً حادة كمنينها ، بتارة كنظرها وتنكئ عليها في وقفة كلها ارتياح وإغراء ، تستريح من عناء البتر والقطع ، قطع الأشجار في الغابات البريطانية !!
وإنما فتاة بريطانيا تعمل في قطع الخشب في غابات اسكتلندا !! ( انظر الرسم وهو منقول عن مجلة الرافدين عدد أيلول سنة ١٩٤٥ )
وإنك لتغفر فاك مرغماً عندما تتطلع إلى فتاة النبل في عينيها ، والجلال في هيئتها ، تلبس ثوباً عسكرياً جميلاً وترتدي قبعة الضباط فوق رأس زانه شعر مقصوص ، منضد ، وهي راكعة على ركبتها أمام سيارة من سيارات الشحن تعمل في دواليبها بيدين ناعمتين يعطيهما قفازان ثخينان من الجلد الأبيض !! . . . أنها . . . صاحبة السمو الملكي الأميرة إليزابيث ابنة ملك الإنكليز جورج السادس ملك بريطانيا العظمى وإمبراطور الهند . والأميرة ، وقد اجتازت دورة التدريب في مركز المجندات ترتدي رداء العمل وتقوم بتغيير دواليب السيارة بيدها الناعمتين !!
وليست الأمثلة لتتقصى في هذا الموضوع . فهناك عشرات الأمثلة التي ظهرت المرأة فيها بمظهر الرجل في هذه الحرب فبرهنت على أن باستطاعتها أن تخدم بلادها وعائلتها بالوسائل نفسها التي يستخدمها الرجل ، وأن بمقدور «التي عز السرير بيسرها» أن تعز يمينها الفأس والبندقية والمدفع فتعمل في أخصم البشري فتلاً وتدميراً وتشنيعاً تماماً كما يفعل الرجل ! . . فعفوك اللهم وغفرانك !!
والقارئ الطيب لن ينتظر مني بحثاً علمياً سيكولوجياً في نفسية المرأة والمقارنة بينها وبين نفسية الرجل لتحكم إن كان بأمكانها أن تعمل عمله وأن تقوم بما يقوم به في ميادين العمل الصعبة المزعجة . كلا ليس الغرض من مقالي هذا شيئاً من ذلك . فالعلماء ألعس آراء وآراء لا تزيد الموضوع إلا صعوبة فوق صعوبته . ولكنني أريد أن أهمس في أذن سيداتنا همسة قد تجرح كبرياء البعض منهن وقد ترضي منطق صاحبات المنطق فأقول :
إن الحرب الحاضرة فتحت أمام العالم آفاقاً واسعة للتفكير والعمل . فقام العالم ، والمرأة عضوه الحماس ، وفيه الحقائق ، في ثورة مجنونة من ثورات النفس المتألمة ، يفكر ويعمل فجاء تفكيره مشوشاً وعمله كسيحاً لا تلاؤم بين مختلف أجزائه ولا ترابط . . .
وكان لعالمنا العربي نصيبه من هذا التفكير وحظه من هذا العمل ، فهب للمطالبة والجهاد وآخذ في عقد المؤتمرات وتأليف الجمعيات وتشجيع الأحزاب والمنظمات السياسية القومية فكان لنسائنا في كل ذلك يد تذكر لهن بالفخر والإعجاب وتسطر بأحرف محفورة على جبين الدهر . فإن أنسى لن أنسى هبة لبنان في تشرين الماضي في سبيل حريته وكرامته ، وذلك اليوم المشهود الرائع يوم خرجت نساؤنا من خدورهن ، صفوفاً متراصة ، وهن يسرن في مظاهرة رائعة يحيط بهن صف من رجالنا المخلصين . لن أنسى أننا خرجنا في ذلك اليوم إلى أبواب الجامعة أساتذة وطلاباً نزعنا هم ببيوتنا وقلوبنا فالتفت إلى أستاذ كبير من أساتذة الجامعة وقال ، والدمعة في عينيه : «الآن ربح لبنان المعركة . وذلك بفضل نسائه !!»
إن هذا كله لجميل رائع ولكنه لا يمنعنا من أن ننظر إلى الحقائق بعين