جلست الى منضدها قلقة ، خبولة ، غاضبة ، وامامها رسالتان يجب ان تجيب عليها .
ابتدأت تكتب الاولى الى ولدها الوحيد وكانت يراعتها تجري تائهة بدون توقف ، وكان محياها متأثراً ، شاحباً ، ساخطاً .
ولدي
لقد ثبت لدي انك حسبت نفسك غريباً عني واعتبرتني عدواً لا اماً . انصرفت عنك لمدة ستة اسابيع فقط ولسوء حظي لم امرّ بخاطرك مرة كل هذه المدة القصيرة التي كنت تستطيع في خلالها مراعاة صحتي وظروفي ، انت الذي تعلم كل شيء عن حياتي التعيسة الحانية ، عن شقائي وسوء حظي ، عن آلامي وهمومي المريرة التي تذوقتها من اجلك واجل ابيك يا الله !! انك تزيد في عذابي وتضيق صدري ... فأي خطة في حياتك تتبعها ؟ ألم أعطف عليك ابان محنتك ؟ ألم أسهر عليك اثناء مرضك ؟ فهل يعقل ان تقابلني بالنسيان والاهمال ؟ لقد اعترفت لي في كتابك الاخير بانك تقدمت للامتحانات المدرسية من غير استعداد ، فهذا عمل مخجل واهمال كبير يجعلني حائرة في امرك لا استطيع ان اقف على طباعك ونزعاتك .
قبل مغادرتي البيت تضرعت اليك ان تغير مسلكك في الحياة طيلة مدة غيابي وتواظب على العمل الدائب ، فأقسمت يميناً واكدت لي انك ستعمل بما
امرتك به . ولكن آه كم كانت كلماتك رنانة عذبة وكم كانت وعودك زاخرة ، وكم كنت اريد ان اصدقها ، واؤمن بشخصك وانسى اكاذيبك ومواعيدك المختلفة الواهية . ها انك تخبرني انك مثقل بالديون ومعرضاً الى السجن والقصاص ! نعم هذا حديث تكرر واصبح امثولة وحيدة لا تعرف غيرها وقد استمعت اليها طويلاً فلست اريد منها المزيد ولن اقبلها بعد . لقد ولّدت لي آلاماً فيها الكفاية في هذه السنين الاخيرة وتجلدت وصبرت وكان من نصيبي الشقاء والحوادث الاليمة . آه لا استطيع ان اتصور انك عابث بحياتك وحياتي .
لا ، لا ، والف لا ، ضاق صدري .. وعبثاً ان ترعوي .. سوف لا اعود ... انت مجرد من كل عاطفة انسانية ، لا تحب غير نفسك ولا تسترسل لغير ملذاتك وتمنياتك . لقد تعبت نفسي من شدة التوسل وعيل صبري من كثرة التسامح فأي متى يرسو ظلمك وعسفك !! لقد حطمت حناني اللانهائي الذي لم اذخره الا لك فاعرف انك لست اهلاً لبرهة من تضحياتي السابقة ، وتكريسي دموعي وآلامي وسهري وقوفي وحياتي من اجل راحتك . سأدعك منذ الآن ، وسأقضي شهوراً واعواماً بعيدة عنك وعليك ان تختار اي الامرين اصلح لك ، فانسى اني في قيد
الحياة كأن لم يعد لك أم وكأن لم يعد لي ولد .
كان القلم هائماً لا يستقر ، يرسم خطوطاً وكلمات وجملاً قاسية لاذاعة عليها قلبها ويفضيها لسانها .
كتبت العنوان ، ختمت الظرف ، واغمضت جفونها وظلت بضع دقائق جامدة متألمة حائرة .
تناولت ورقة ثانية لتجيب على الرسالة الاخرى ، وفجأة تبدلت ملامحها ونسيت حملتها على ابنها وتلاشت آلامها واشجانها وهواجسها وسكن حنقها وسخطها .
« في ثلاثة ايام سيكون هنا ، في ثلاثة ايام » .
ولدى هذه الذكرى الفعالة تسرب الى قلبها عباب من حرارة متقدة وجرى في كل عروقها فاعترتها رعشة عظيمة وباتت جامدة مسحورة بجمال نخيلاتها التي اخذت تعبث بهجتها ، فانفجرت عواطفها من فؤادها المتكهرب مداراً . وجرى قلمها سيالاً وكتبت :
سعادتي ، وحيدي ، حبيبي فارقتني وفارقتني لذة الحياة الدقائق تزحف ، ترن كنغمات هائلة مخيفة كئيبة كأنها شهور واعوام . ذهبت لأول مرة الى الجنائن الغناء التي كنا فيها نتلاقى فذكرتني باجتماعاتنا القديمة وزرتها جميعها وحدتها نظراتي الاخيرة وكدت اصرخ اين هو
وهناك قرب الغدير الصافي المتململ يهدو بين الخمائل والازهار جلست على مقعدنا الذي لم يزل رابضاً مرتعشاً وتمثلت لدي صورة الماضي الجميل وتذكرتك وترأى لي كل شيء عدماً ، المياه المترقرقة العذبة رأيتها تنساب رمادية اللون قاطبة ضاغنة لانك لم تكن هنا معي لتجعل كل شيء جميلا حياً ، اكد ايها الحبيب ان الزنبق الابيض العطر حبس انفاسه ، والصرصر الحنون ناح باكياً شاكياً مردداً : اين هو ... اين هو ... وخارت قواي حين ظهر لي شبحك المحبوب فذهبت تواً قاصدة الفندق ، وهناك رسالتك كانت بانتظاري وهي الحياة التي عاودتني ، فانت لي كل شيء ، انت وحدك وليس احد غيرك
في هذه البرهة رن الهاتف فتقدمت من الالة واخذت السماعة ... كان الصوت بعيداً مهدداً يردد كلمات متقطعة غير مفهومة ينبي بكارثة وكانت الكلمات الهائلة الدامية تدوي رغم اللجلجة واللحن المبهم الزافر والمتنافر : « سيارة ... اصطدام ... قتل ... » ثم لا شيء ... ثم جلبة خفية متنافرة اخذت تحتضر شيئاً فشيئاً . تصورت ان سهاماً حادة اصابت احشائها فمزقتها تمزيقاً وكأنها سمعت صراخ مجنون وحشي يردد دائماً ذات الكلمات : من ؟ من ؟ أجيبوا ... من ؟ عندما سمعت الاسم الذي تردد عدة مرار وتغلغل في رأسها وعرفه ضميرها نهضت كأنها مستفيقة من حلم عميق وتنفست الصعداء
