لقد تجاوز الليل نصفه ...
الشارع العريض المبلط يظهر الآن أعرض وأكبر مما كان في النهار، يخيم عليه سكون غريب تحت ضوء القمر الخفيف ... لا يرى منه ماراً وقد اختفى خط السيارات الطويل الذي كان في النهار يقسمه قسمين. ها أن القمر يرسل نوره الأزرق على صفائح الحديد التي فوق المخزن فيجعل لها خيالات مستطيلة غريبة الشكل.
يظهر من أحد المنعطفات رجل يريد الركوب في سيارة يجيل النظر في طول الشارع ولكن لا أثر للسيارات في هذه الساعة المتأخرة من الليل هناك فقط عربة خيل لا تتحرك وكأن صاحبها نائم. يذهب إليها الرجل ويصعد داخل العربة فينبه أسعد العريجي وينتهر خيله فتمشي العربة ... ما ألذ النزهة في هذه الساعة الليلية الهادئة، أسعد يتنشق الهواء البارد المنعش ويسمع موسيقى حوافر الخيل وهي تطرق الأرض بتوازن.
ولكن هناك شيئاً يقلق باله قليلاً، ويزداد القلق كلما اقترب من هدف سيره: يجب عليه أن يوصل هذا الراكب إلى حيث يريد بعد اجتياز طلعة قوية وهو يتصور المشهد في مخيلته هكذا: تصل العربة ببطء إلى منتصف الطلعة وهناك تنزلق حوافر أحد الخيول
المحددة على الزفت، فترجع العربة قليلاً إلى الوراء ثم تقف. فيطل الراكب من داخل العربة، وبصوت يمازجه القلق والتوتر:
— ماذا حصل ؟
— لا شيء لا شيء فقط فقط هذه الطلعة صعبة
ثم ينزل هو من مقعده، يذهب إلى خيله، يكلمها بلطف ويجرب أن يمشيها. أما أصعب هذه التجربة. يرجع أسعد بالفكر عشر سنوات إلى الوراء حين كانت سياقة العربة هينة وأكثر الطرق بلا أسفلت، وما كان أكثر الربح في تلك الأيام أما الآن، بوجود هذه السيارات، فهو لا يكاد يربح ما يكفي ليطعم الخيل ويعتني بها ولو لم يحبها كأولاده لباع عربته واتخذ صنعة أخرى كما فعل كل العربجية ...
ها هو الآن يقترب من الطلعة المشؤومة، ما العمل ؟ لا، لن يصعدها بل سيقوم بدورة كبيرة ويوصل الراكب إلى بيته من طريق أخرى كي يتجنب الحية وألم النفس وتعب الخيل. ويمر أسعد بفرق الطلعة فيتجاهلها ولا يلتفت إليها بعد قليل ينتبه الراكب إلى ما يحسبه خطأ من العريجي:
— ما بالك يا عريجي لا تزال نائماً، هل نسيت الطريق ؟
— لا ولكن أردت أن أجنب هذه الطلعة الملعونة حيث تنزلق الخيل منذ أن زفتها البلدية، والنزهة الآن جميلة
— من قال لك أنني أريد النزهة ؟ أنني مستعجل لا وقت لدي أضيعه.
ثم ينتقل الراكب من لهجة الغضب إلى لهجة الشفقة
— إليك مني نصيحة واحدة: بع عربتك والخيل واشتر سيارة
عتال
العتال محني الظهر قليلاً تحت حمله، رجلاه عاريتان رغم البرد، يمشي معجلاً على الرصيف بخطى صغيرة وسلته ترقص على ظهره.
ها هو يقف وجهة وينحني إلى الأرض ليلتقط قطعة جريدة مرمية، ويتأملها طويلاً بلذة. هو يكاد لا يعرف القراءة ولكن في هذه الجريدة صور بعض مشاهد من فيلم طرزان: مثله الأعلى في القوة والبطولة. سيعرض هذا الفيلم في الأسبوع القادم، فيجب عليه أن يجد طريقة لتوفير رسم مشاهدته. أن الرجل الذي يبيع التذاكر على الباب رفيق طيب، لا
يبالي أن نقص الرسم خمسة أو عشرة قروش. ثم يلمس باعتناء قطعة الجريدة المدعوكة، يطويها ويضعها في جيب سرواله لقد لمع شعاع نور في أساريره وارتاحت نفسه لهذه الأفكار، فنسي أنه بردان في ثيابه الخفيفة وأنه لم يأكل شيئاً هذا الصباح. ويتابع مشيته مهرولاً بخطى صغيرة لا تحدث صوتاً.
غسق بيروت في الشتاء
لقد جعل المطر من طريق الأسفلت مرآة مشوهة. الأنوار الكهربائية تنعكس فيها بشكل أعمدة نور طويلة معوجة تتلألأ في الظلام. هي الآن الساعة السادسة فقط ولكن في كانون يجن الليل باكراً ويأتي الظلام فجأة: يظن الإنسان نفسه في النهار ولا يرى إلا الأنوار تضيء الشوارع والليل قد اقترب تمر سيارة، فتظهر في نور فانوسها خيوط المطر المنحرفة والأنوار تنعكس على سطح الطريق كما في بحيرة سوداء لقد احتبأ بائع الكستناء من المطر تحت رفراف مخزن. وهناك غلام قد اقترب من حرارة موقده يلاحظ قشرة الكستناء الفتة تنشق عن بياض قلبها وهي تنشوي على النار بزفير خفيف. المارة قليلون وهم يعجلون خطواتهم قبل أن يشتد المطر غير مبالين أن غطست أرجلهم في بقع الماء الصغيرة.
صوفي أرقش
