
عندما شبت نيران الثورة المصرية سنة ١٩١٩ كان « بيت الأمة » قبلة الثائرين ، تتقاطر إليه مواكبهم من كل حدب وصوب ، وكان الجند يرمون المتظاهرين برصاص بنادقهم ، فحدث أن أصيب بعض الشبان وكانت إصابة أحدهم إصابة قاتلة ، فحنت عليه الفقيدة الكريمة ، وأخذت تعنى به ، وأفاق الشاب قليلاً ، وأدرك أن منيته قد حانت فقال :
- سأموت بعيداً عن أمي ..
فقالت له رحمها الله وهي تغسل جراحه بدموعها :
- ألست بين ذراعي أمك يا بني ؟
فقال الشاب وهو يلفظ النفس الأخير :
- نعم ... بل أنت « أم المصريين » جميعاً ...
ويخطئ من يتوهم أن دور « أم المصريين » في الحركة الوطنية كان دوراً سلبياً أو هو لا يتعدى التوجيه أو إبداء الرأي ... فالواقع أنها كانت تؤدي دوراً عملياً ينطوي على الشجاعة النادرة المثال ، والتضحية الخليقة بشريكة سعد ...
فما أن اندلعت نار الثورة حتى راحت تذكي جذوتها ، وتخوض غمارها وتشعل الحماسة
في قلوب الرجال ، وتنتزع المرأة المصرية التي كانت في ذلك الحين قعيدة دارها توسف في قيود التقاليد البالية ، وتدفع بها في غمار الثورة ، وتتقدم بها الميادين غير مبالية برصاص البنادق ولا بالمدافع الرشاشة ومن هنا ، تعد « أم المصريين » صاحبة الفضل الأول في نهضة المرأة المصرية ، التي يجني المجتمع ثمارها اليوم ...
وفي خلال الثورة ، كانت تطوف الشوارع والميادين بسياراتها ، لنجدة المصابين ، فتحملهم إلى بيت الأمة ، وتعكف على تضميد جراحهم ، وإسعافهم غير مبالية بما تبذل من جهد ومال ...
فإذا انتهت من هذه المهمة ، راحت تبحث عن عائلات ضحايا الثورة ، فتمسح بيدها الرحيمة دموعهم ، وتبسط يدها إليهم بما يعينهم ويقيم أودهم .
وعندما قبض الله إليه الزعيم الخالد الذكر ، راح أعضاء الوفد يزجون إليها للتعزية ، فقالت لهم :
- إن سعداً لم يمت ... بل ترك خلفه سعوداً كثيرين ...
وكانت رحمها الله غير راضية عن الخلافات التي تنشب داخل
الوفد ، ولما كان الخلاف المعروف الذي أدى إلى انفصال المرحوم حمد الباسل باشا ومن معه ، آثرت عصمتها أن تعتزل الاشتراك في الشؤون السياسية ، وبخاصة حين استشعرت ضعف صحتها . لكنها لم تكف عن بذل نصائحها وإرشاداتها وعن محاولة المحافظة على وحدة الأمة .
وقبيل وفاة الفقيدة الكريمة بيوم واحد ، ذهبت كعادتها في أيام الجمعة من كل أسبوع ، لزيارة صديقتها الحميمة حرم المرحوم قاسم بك أمين ، وتناول الغداء معها ... وكان من عادتها أن تتركها بعد الغداء وتعود إلى دارها لتستريح ، ولكنها في ذلك اليوم بقيت معها حتى الساعة السادسة مساء ثم ودعتها قائلة : « ربنا يطول عمرك » .
وكأنما كانت أم المصريين تحس بأنها راحلة فتمنت لها طول البقاء !
ومن المصادفات الغريبة إنها كانت قد دعت جميع أفراد الأسرة للحضور إلى بيت الأمة بعد ظهر ذلك اليوم للاحتفال بعيد ميلاد كريمة شقيقتها حرم طاهر بك اللوزي ، ولكن المنية عاجلتها قبل موعد الحفلة بدقائق ، فكأنما دعتهم ليودعوها الوداع الأخير !
رحمها الله رحمة واسعة ، وأجمل عزاء المصريين جميعاً في « أم المصريين » .
« الاثنين »