
ليوناردو هو الابن غير الشرعي للسير بيرو انطونيو دافنشي . ولد سنة ١٤٥٢ ، في شمالي ايطاليا ، قرب فلورنسا . فهو اذن يعاصر رافائيل وميشال انجلو ، ويواطئها ، ويكوّن معها ثالوث النهضة الاعظم .
وفي المدرسة ظهر تفوقه في جميع الفروع . على ان رغبته الدائمة في الرسم فرضت على والده ان يغذي فيه هذا الاتجاه فأدخله محترف الرسام اندريا فيروشيو كتلميذ . وكان اندريا آنئذ يعمل في صورة تمثل معمودية المسيح ، فعهد الى تلميذه الجديد بتصوير ملاك من ملائكة تلك الصورة ، فاتى ملاكه الكامل كاشفاً عن مساوىء سائر اقسام الصورة ، مما اثار عليه نقمة معلمه .
فغادر المحترف ، وكان قد بلغ من المقدرة الفنية ما جعله يغني عن المعلمين ، فانصرف الى العمل المستقل . ولعل اكثر ما يهمنا بعد ذلك من حوادث حياته التي لن اتعرض لها ، سياحة قام بها الى الشرق سنة ١٤٨٠ بمهمة هندسية ، فزار مصر وسوريا وتركيا ، وعاد بعد اربع سنوات الى ايطاليا ، فكرس القسم الاكبر من حياته ، التي انتهت سنة ١٥١٩ ، للتصوير .
وكان يغذي نفسه الفنية بكل ما يراه في الطبيعة وفي الحياة ، بعيداً منذ حداثته عن الخيال ، ملتصقاً بنفسه ، غير مكترث كأبناء عصره باستيحاء امجاد الاقدمين ، مع اهتمامه بدرسها . واولع بصورة خاصة بالناحية النفسية ، وعلى الاخص بذوي الشخصيات غير الاعتيادية اولي الرؤوس العجيبة واللحى الغريبة . حتى انه كان اذا رأى انساناً من هذا النوع ، تبعه طول النهار ، الى ان يكون قد رسخ تأثيره في ذهنه ، فيعود ويرسمه كأنه امامه .
ولقد تعمق بعلم النفس حتى قال بالنظرية التي قال بها فرويد فيما بعد ، ولكن انصرافه الى التصوير والعلم لم يسمح له بالتوسع في شرحها والتبشير بها . ومن هذا الاهتمام بعلم النفس اصبح لفن ليوناردو ميزة خاصة ، هي تهيئة ابطاله لجعل المتذوق في جو من معاني نفوسهم ، او بالاحرى ، من معانيهم في نفس ليوناردو ، وهو المؤمن بنفس الفنان الخلاقة .
وتلك الميزة تظهر بجلاء في اكثر صوره ، وخاصة في العشاء الاخير وفي الموناليزه ، او الجوكوندا .
اما العشاء الاخير ، او العشاء السري ، فهو صورة تمثل المسيح مع تلاميذه على المائدة ، واول ما يلاحظه متذوقها هو ذلك القلق البادي على وجوه التلاميذ من نتيجة تلك الرغبة الملحة المستولية على
جميعهم لمعرفة ذلك الذي سيخون المعلم . ولو كانت الصورة امامنا لاستطعنا ان ندرس سائر مواطن الجمال فيها . ويروى ، بمناسبة ذكر العشاء الاخير ، ان ليوناردو تأخر في انجاز هذه الصورة عن الموعد المعطى له ، فشكاه رئيس الدير الى حاكم المدينة ، وكان الحاكم ذكياً حساساً ، ولكنه ، لاجل التخلص من الحاح رئيس الدير ، دعا ليوناردو اليه ، وبعد ان اعتذر بان الدعوة كانت نتيجة للالحاح المزعج ، رجاه ، بكل لطف ، ان يحاول الاسراع في انجاز الصورة . فلما آنس ليوناردو ذلك منه ، اخذ يحدثه عن الفن ، فبين له كيف ان رجال العبقرية يكونون في اخصب عهد من الانتاج عندما يتراءون لاعين الناس كسالى ، ذلك لان الروائع الفنية تتكون في الخفاء ، في داخل الفنان ، ثم تبرز عن طريق اليد او اللسان ، فيخيل الى الناس ان ابرازها هو تكوينها ، فيكون منهم ما كان من رئيس الدير . وشاء ان يمازحه ، وان «ينكرز» على رئيس الدير ، فاستطرد قائلاً : « وانني لا ازال بحاجة الى وجهين لاكمال الصورة وجه المسيح ووجه يهوذا . اما الاول فانا اعتقد اني لا استطيع ان اجده على الارض ، والى الان لم تتم لي القوة الكافية لاتمكن من احضاره في مخيلتي بكل ما فيه من جمال وكمال ونعمة سماوية . واما الثاني ، فمن الصعب وجود رجل باخلاقه . على ان حضرة رئيس الدير قد حل الان النصف الثاني من المشكلة فلم يبق عندي الا وجه المسيح . »
وفي الواقع ان ليوناردو قد وفق كل التوفيق في رسم هذين الوجهين ، ولكنه اطمأن الى نجاحه في رسم يهوذا ، وظل كل حياته يقول : لم استطع تصوير المسيح .
ولقد اخذ بعض مؤرخي الفن هذا الكلام على حرفيته . فقالوا ان ليوناردو لم يكمل وجه المسيح ، وهذا شبيه بقول بول فاليري : اني لم اكمل قصيدة في حياتي .
وبعد انجاز العشاء الاخير ببضع سنوات ، بدأ صورة الموناليزه ، وذلك في اول القرن السادس عشر ، فقضى في رسمها اربع سنوات . كان ليوناردو يقول : «لاجل تصوير الاشخاص يجب ان يكون عندنا محترف خاص ، حيطانه سوداء ، وسقفه مغلق دون الشمس ، فلا يدخله الا النور الضئيل ، فاذا لم يتسن لنا ذلك فلنمتنع عن الرسم الا عندما تكون الاجواء متلبدة بالغيوم فيكون النور قائماً ، لان تلك هي ساعات التصوير الفضلى .
وفي ساعة من تلك الساعات ، عشية يوم من اواخر ربيع ضبابي ،