أطلت من وراء الغيوم أشعة شمس ضئيلة، على وجه موناليزه. ورآها ليوناردو فمضى في نشوة بعد محترف التصوير وهو يقول في نفسه: «أتراها ترضى!...»
هيأ أولاً كل ما يحتاج إليه المصورون من الفراشي والألوان والأقمشة، ثم بنى، في ساحة المحترف، نبعاً صغيراً تتساقط مياهه على كرات خاصة من الزجاج، فتحدث موسيقى ناعمة، خفيفة، دائمة.
وزرع حول ذلك النبع جميع الأزهار التي تحبها الموناليزه، بينها الزنبق الأبيض والبنفسج، ثم دعا جوقة موسيقية خاصة، تلعب على الكمنجة والكثار قطعة خاصة تعشقها هي ويعشقها هو، فتكون بمثابة «الملوديا»، وجمّل أجواء تلك الملوديا نخبة من الموسيقيين والمغنين والقصصين والشعراء، لكي يدرس في وجه موناليزته تغيرات الجمال في حالات التذوق المختلفة: من القصص إلى الشعر إلى الموسيقى..
أعد كل ذلك، ولم ينس الطعام لصديقه كلب المحترف الصغير، وبات ينتظر الموناليزه، فتأخرت، فقلق، واشتد قلقه، وأخيراً.. نبح الكلب الصغير، فأحس ليوناردو أنها أتت.
أطلت الوصيفة بباب المحترف، وتبعتها امرأة في الثلاثين من عمرها، ترتدي ثوباً أسود، ونقاباً أسود، تمشي بخطى الآلهة، هذه هي موناليزه، زوجة فرنسيسكو ديل جوكوندو، صديق ليوناردو.
بدأ الصورة، وانقضت السنة الأولى، وموناليزه وليوناردو في نشوة ذلك الجو الفني العميق، كلاهما في نشوة واحدة، هو يرسم، وهي تطعم الكلب الصغير بيديها الناعمتين الساحرتين، والوصيفة أبداً في زاوية المحترف تقرأ الإنجيل.
وانقضت السنة الثانية، والصورة لم تنته بعد، ومع أن فرنسيسكو كان له كل الثقة بامرأته وبصديقه ليوناردو، فقد أقلقه هذا التأخر.. وليس مجرد التأخر هو الذي أقلقه، ولكن هنالك شيئاً أهم وهو أنه كانت تظهر في الصورة معان لم يكن يعرفها في زوجته، ولكنها معان جعلته يرى في الصورة حقيقة أكثر مما يرى في زوجته، ولاح له أن امرأته تشارك المصور بعض الأسرار، وأي أسرار تكون! هي ليست أسرار حب، أو هي ليست من أسرار المعنى المعروف لتلك الكلمة.
وكان فرنسيسكو قد سمع ليوناردو مرة يقول: «إن كل فنان يميل إلى إكساب صور الآخرين بعض معانيه. ذلك لأن ما ينتجه هو قبل كل شيء، جزء من نفسه، يخلقه ثم يعلنه.» وفكر كثيراً في تلك الجملة فأصبح يرى، يوماً بعد يوم، أن صورة امرأته تشبه ليوناردو، ثم تطور ذلك معه فأصبح يرى امرأته نفسها تشبه ليوناردو... وبات يرى أن تلك الابتسامة التي نظرها على وجه امرأته ولم يستطع تفسيرها، تلك الابتسامة التي احتلت مكاناً أبدياً في عينيه، هي الابتسامة نفسها التي يراها على جميع الوجوه في صور ليوناردو. فأصبحت تلك الابتسامة
الغامضة فتنة جديدة للزوج، كما أصبحت فتنة العصور، وجعلته يشعر أن امرأته من غير البشر، أنها أسمى من البشر.
وانقضت السنة الثالثة، وليوناردو لا يزال يغنم هنيهات الجو الغضوب، وكان حريصاً كل الحرص على أن تكون موناليزه دائماً كما كانت في ساعة التصوير الأولى، في النشوة نفسها، في الطمأنينة نفسها، في الإصغاء نفسه.
وجاءت مرة، فجلست على كرسيها تصغي إلى الموسيقى كعادتها والكلب الصغير بقربها، والوصيفة في الزاوية تقرأ الإنجيل. وانتظرت أن يبدأ ليوناردو العمل، ولكنه ظل أمامها، يتأملها، ساعة وساعتين، وثلاث ساعات، وهي هادئة، كأنها تدرك سبب التأخر. وأخيراً قال: مادونا! ما بالك اليوم؟ فأجابت: كنت قلقة على ابنتي (ابنة زوجها) كل الليل، فإذا شئت فلنترك التصوير اليوم. فأجابها: كلا، لن نضيع ثمار الغيم. ثم مضى معها في حديث أعادها إلى حالتها الأولى، وعاد إلى التصوير.
وقبل أن تنتهي الصورة أحس ليوناردو أن موناليزه قد أصبحت شيئاً ضرورياً لحياته. وحاول أن يدخل إلى أعماق نفسه ليرى إذا كان ذلك حباً، فوجد أنه، وإن يكن يحس فيها أحياناً جمال المرأة الحي، فهو يحسه في سواها بعنف أكثر، وفي فترات أطول، فهو إذن ليس حباً.
كان يشعر أنها فوق البشر. كان يعجبه منها أنها، مع ما خصت به من حكمة فطرية، لم تباه مرة بالمعرفة، فكانت تتكلم ببساطة الأطفال، ولكنه أدرك من خلال تلك البساطة، أن روحها قريبة من روحه، فأصبح يحس أنها صديقته الأزلية.
ولكنه عاد يقول: وهب أني أحببتها فهل في ذلك النسيج السماوي من الحب ما يمسها أو يمسني؟ أنتظر ثمرة للحب أعظم وأسمى من تلك الصورة التي كنا والديها؟
كل ذلك والصورة لم تنته بعد. وكأن الموناليزه، وهي المرأة الغامضة حتى على نفسها، وحتى على ليوناردو، قد شعرت بما في داخله فألحّت عليه في إنهاء الصورة. فأجابها ليوناردو أنه يتمنى ذلك ولكنه لا يزال يجد فيها كل يوم معاني جديدة، فأدركت أن الصورة لن تنتهي، فودعته، ومضت.
وأحس هو أيضاً أن الصورة لن تنتهي.

