
رأته يتأمل ، فيتطلع إلى المنشود البعيد ، في الغد المرتجى ...
اجفان حيرى على أطياف قلقة ...
سحابات شفافة في أسارير متلألئة حالمة ...
خلجات عميقة في آمال مجنحة عميقة ..
كانت تتلفت مع التفاتات نفسه ...
كانت ترف حساً على أمواج حسه ...
هو لها ...
اقصص عليها يا ميسرة «حديث الشام»
أرو لها فراسة بحيرا المتنبئ ، وأهمس همسات الصوامع في ظلال شجرة بصرى ، تلك العالية ...
سمر طيب في عودة موفقة رابحة طيبة ، كأنها عودة الضوء إلى مكنه ، كأنها عودة الربيع إلى بطحائه .
إيه ميسرة ! تحدث حديث محمد .
إن صوتك في أذن أم هند لحن متدفق في نفس متألمة متدفقة . اهتف باسمه ، باسم محمد ، كما هتفت بصرى ، ما أطيب اسمه !! ..
أو لم تر حمرة النبوة في عينيه ؟
إن بنت خويلد يا ميسرة ، شاقها إلى أبي القاسم خبرك ، وطاب عندها الترجيع فرجع .. وعلى الرسول الأمانة .
لقد ضاقت على صدرها سبل الحياة ، وإن تفتحت في يدها سبل الفن . من تراه ينقذ أملها ؟ من تراه يحقق أمنيتها ؟ من تراه يقول لمحمد أنها تحب محمداً ؟
تتمنى فتفلت من أناملها خيوط التمني . تحب فيسد تفاوت العمر أمام قلبها منافذ الوصول .
اسكت الآن يا ميسرة ، إن الحديث الساعة ، لنفيسة بنت أمية . وتتكلم نفيسة إلى ابن عبد الله بن عبد المطلب فيعتذر الشاب القرشي .. أنه يتيم فقير لا متجر ولا قافلة ، وأم القرى تزهو زهواً بالأغنياء المترفين والسراة المرابين ولكن فقر اليد عند خديجة ليس فقراً
وتعود نفيسة إلى صديقتها ، وطفاح وجهها بشائر السرور ويغدو حمزة يخطب لابن أخيه ...
ثم يدور الزمان دورته ، وخديجه ترى محمداً يغمرها بنفسه وعطفه ، وعينه عالقة بعيداً حيث لا تعلم ونفسه ممتدة إلى حيث لا تصبو ، وبشيء رائع حبهم يختلج في جنبات الغيب ، وهمسات حالمة تتصاعد من جوانب البيت العتيق وسقسقة عذبة تخفق في قعر أفواه زمزم ، وهدوء غامض يتموج على هوادج القوافل ...
وكأن جبال مكة ترتقب خبراً من وراء الواحات الوارفة ...
قلق وحيرة ، أحلام وتأملات سريعة ، نغم ينفخ في روح نغم وسكون قدسي يمتد على طمأنينة قدسية . وواد غير ذي زرع يحلم باخضرار دونه ضفاف دجلة وسفوح اليمن ومواسم الشام .. ومطايا تزجى على التعارف والتعاطف من كل فج عميق ..
لم يكن ذلك الحلم البعيد ليغيب لحظة واحدة عن مقلة محمد ... وخديجه نجم ساهر تعطي من روحها كل ما يعطي ، وروحه تفتش عن شيء فوق هذا العطاء تجود له برفعة خلقها وغزارة ثروتها وخلقته
يفتش عن ثروة غير هذه الثروة . عن ثروة لا يغنيها الزمن ولا يتلفها القضاء ..
إيه خديجه ! ما هذا الذي يولد في نفسي ؟
ما هذا الشوق الحران الذي يشتعل في جوانحي ؟ وتحاول أن تملأ بالوفاء قلبه وفكره ، فيظل قلبه عالقاً على صفحات السماء ، ويظل فكره هائماً على أبعاد الآفاق ، وتظل الوحشة تقبض بيديها القاسيتين على جانبي صدره ...
ويرى الرؤيا !! وكأنها فلق الصبح ثم يعتزل الدنيا ، ويتحدث بعيداً وتبسط نفسه بين منى وحراء فإذا بصوت ينزل في الغار من سدرة المنتهى ، فيرجف فؤاده ويخشى على نفسه ، ويهرول إلى حنو بيته ، فتمسح خديجه بصفحات قلبها عرق جبينه وتزمّه بأضلاعها من هول أمره ، وتغذي بإخلاصها حبات حشاشته لا تخف يا محمد « كلا والله ما يخزيك الله أبداً » . ضعف فيه كل شيء الأقلاب .
أفلت منه كل شيء إلا إيمانه ...
وفي هذا القلب وهذا الإيمان نزل صوت زوجه حنواً ورقة وعذبة : « كلا والله لا يخزيك الله أبداً » .
كانت خديجة أول من أحبه . كانت خديجة أول من آمن به ، فصدّق الخبر ومضى عهد الحجابة والسدانة ، زمن الأزلام والأوثان ، وحجارة لا تخلق أو ترزق ، وقائم لا تهمس ولا تبرىء أو تنطق أين الحق . وبان لمحمد شيء واحد هو الحق .
اقرأ يا نذير ... اقرأ باسم ربك الذي خلق ...
فيقرأ وتقرأ معه زوجه ، ويذوب صوت خديجه في أعماق قلب محمد :
« كلا والله ما يخزيك الله أبداً ! »
سمية حموي