بلغ الخامسة والعشرين من عمره . فكان قرير العين مما كان يراه في حاضنته من العطف والعناية . وشعر بأول وظيفة من وظائف المرأة في هذا الوجود ، الرأته من حيث هي امرأة ، حتى ولو كانت حبشية ومملوكة ولم تنتم الى عرق من العرب . ثم شاءت العناية الالهية ان تنقل محمداً الى العيش بقرب اشرف امرأة في قريش ، فتزوج ( السيدة خديجة بنت خويلد ) ، شيء جديد في حياة محمد . انتقل الى طور آخر من معرفة المرأة واختبار وظائفها فلم يعد ذلك الشاب الذي تخدمه حاضنته متواضعة فيكرمها ، بل الشاب الذي تحبه امرأة شريفة ويحبها .
هو شاب في الخامسة والعشرين وهي كهلة في الاربعين ، كأن العناية الالهية رأت انه ما زال شاباً محتاجاً الى عطف امرأة ذات سن وتجربة وثروة ، فيسرت له الاقتران بها .
لم يكن محمد ( ص ) ذا حظ من مال ونسب ولم تكن اسباب رغد العيش متوفرة لديه وقد توفرت به الآن مذ تزوج بخديجه . ابتخذ من مال زوجته وسيلة الى اللهو والدعة والنعيم ؟ كلا . وانما اتخذ محمد الشاب من مال زوجته وسيلة الى فراغ قلبه من هم العائلة كما اتخذ من حبها وطاعتها له وسيلة الى التفرغ لعبادة خالقه والى القيام بالعمل العظيم الذي يشغل باله ها هو محمد قد اعتزل الناس والتجأ الى غار حراء يناجي ربه ويسأله ان يهدي شعبه وها هي خديجه امرأته تشجعه وتبث الثقة والصبر والثبات في نفسه . ها هي تهيء له الزاد ليتقوت به في اثناء عزلته الطويلة ، ها هي بجدلية محمد في سفح الجبل مشرئبة الى الغار الذي اعتزل فيه زوجها وقلبها مفعم بالرجاء والايمان والثقة بالمستقبل .
وهكذا ترى النبوة ولدت على يد ( امرأة ) خديجة بينما لم يشهد ولادتها احد من الرجال .
ثم ماتت خديجة فشاء ابو بكر - أكبر اصحابه - ان يتشرف بمصاهرته فزوجه ابنته عائشة . لم تكن عائشة زوجة فقط بل وتلميذة ايضاً . وهذا هو الطور الثالث من اطوار محمد مع المرأة : بركة الحبشية تسهر عليه في طفولته - خديجة الكبرى تحوطه وتشجعه في شبابه - وعائشة الصديقة تسره وتكون تلميذة له في كهولته .
اختبر محمد ( ص ) المرأة في جميع ادوار حياته وامتزجت عاطفته بعاطفتها طفلاً وشاباً وكهلاً . وكان لها من التأثير في حياته ما جعله يرفع منزلتها ويعلن حريتها ويسوي بينها وبين الرجال . لقد كان يقول دائماً : « انما النساء شقائق الرجال » . بل قال للرجال ألستم حريصين ان تدخلوا الجنة ، هذه الجنة تحت اقدام الأمهات ، وكل امرأة أم
ان لم يكن بالفعل فبالقوة ، ولم يقل احد في تكريم المرأة مثل هذا القول الذي قاله محمد ، واذا كان قوم يحسبون المرأة شيطاناً فإن محمداً كان يراها تعويذة من الشيطان ، فكان الأعزب بنظره من اخوان الشياطين لأنه لم يتعوذ بأمرأة يتزوجها ، وقد اراد محمد بتكريم المرأة ورفع شأنها في عيون الرجال شأن النهضات العالمية الكبرى ، ولما رأى النساء العربيات هذه النهضة التي نهضها بهن محمد ، اغتبطن بها ونشطن الى الازدياد منها ، حتى انهن لما رأين انفسهن مغبونات في بعض حقوقهن عقدن اجتماعاً وقررن فيه ان يرفعن الى النبي مطالبهن بواسطة مندوبة اسمها «اسما بنت يزيد الانصارية» . فاجابها النبي بما ارضاها واعلن سروره لحديثها وجرأتها ، وكفى بقوله ، هذا تنشيطاً للمرأة وتنويهاً بقدرها وكان النبي يحب ان لا يستبد على المرأة في امر زواجها ، فهو يعطيها الحق في ان تتزوج من تختاره بشرط ان لا يحط هذا الزواج من كرامة عشيرتها ، وكان النبي يعترف للمرأة بحقها في الاستقلال بمصالحها الخاصة ، كان يرى لها الحق ايضاً في ان تشارك الرجل في خدمة المصالح العامة .
عرف محمد نفسية المرأة وغرائزها الخاصة فكان يعاملها بمقتضى ما عرفه عنها . فيكثر من تأنيتها والرفق بها ، نعم لقد كان النبي يحب النساء لأنهن يربين الرجال كما ربته ( بركة ) في بيته . ويساعدن الرجال في النهضات الكبرى كما ساعدته ( خديجة ) في نهضته ، وينشرن الثقافة والعلم عن الرجال كما فعلت ( عائشة ) مذ حملت عنه ثقافته وبلغت أمته سنن شريعته .
