احب ابن زريق حسناء من بني اعمامه تقطن الكرخ في بغداد ، واحبته هي ايضاً وتعاهدا على الزواج ، الا انه ، مغالاة منه في حبها ، والاهتمام باكرامها ، ابى ان يتزوجها قبل ان يكون قد جمع من المال ما يكفي «لاسعادها».
غير ان حسناءه ، وهي من المتعقلات بين الفتيات ، الحث عليه بعدم ضرورة السعي لجمع المال ، محاولة اقناعه بان السعادة ليست في المال ، ولكنه كان ، كلما ازدادت تشبثاً بموقفها ، ازداد تشبثاً هو بدوره ، يقيناً منه انها ما كانت لتتخذ ذلك الموقف لولا حبها الكبير ، ومكافأة على هذا الحب شعر زيادة بواجبه في اسعادها . ولم يكن يرى اكمال سعادتها بغير جمع المال !
وفي صباح ذات يوم ابلغها انه قرر السفر الى حيث لا يدري ، ولكنه يريد جمع المال ... فامسكت به وبكت ، وبكى معها ، ولكن كل ذلك لم يجد نفعاً ، وسافر ابن زريق على بركات الله ! على ان الحظ خانه ، فلم يوفق ، فاخذ ينتقل من مكان الى مكان ، يجتاز المسافات الشاسعة ، «موكل بفضاء الله يذرعه» ، حتى بلغ الاندلس ، ولكن الحبة لم تفارقه في هذه المرة ايضاً ، فلم يوفق ، فعاد يبحث عن وسيلة اخرى ، في مكان اخر ، الا ان التعب والجوع كانا قد اخذا منه كل مأخذ ، فلم يستطع اكمال المسير ، وكانت تفصله عن حبيبته وعن وطنه الوف الاميال ، وليس عنده وسيلة للسفر الا القدمين ، والقدمان لا يحملانه بعد ان انهكه الجوع ، فالتجأ الى مكان خرب بعيد عن جميع الناس ، وعرف انه لن يستطيع بعد ذلك الانتقال ، وغربت الشمس وهو في تلك الحالة من الوحدة والجوع والبرد والتعب والبعد عن الحبيب وعن الوطن واليأس من رؤيتها ومن الحياة . وفي الصباح ، مر اناس صدفة بذلك المكان فوجدوا ابن زريق ميتاً والى قربه قصيدة كتبها بخط يده هي هذه التي نثبتها فيما يلي :





