
وربما كانت اعظم مميزة لصور جان نقصها في تبجيل الشخص صاحب الصورة واحترامه ، اذ كلما زادت اهمية الشخص المرسوم قل تأثيره على جون . كما انه لم يحترم الصفات الكاذبة او النبل المدعى ، وعندما يجد الشجاعة والذكاء والحكمة يرسمها . اما اذا وجد النبل يمتزج بالانانية والغرور وغير ذلك من الصفات التي تدل على ضعف البشر فلن يصوره ، لذا كانت صوره مشبعة بالاخلاق وخالية من التبجيل .
وفي الواقع ان التصوير حقل ضيق لمن كان ذا روح مرحة كبيرة مثل روح جون . وقد كان جون منذ اول عهده بالتصوير ميالا الى الغجر والمشردين اكثر من ميله الى افراد المجتمع ورجال الادب ، فكان يترك مدرسة سلايد ويقوم برحلات طويلة الى المناطق البعيدة في وايلز حيث يرسم مدة طويلة بين اهل الريف البسطاء .
لم يستطع جون ان يتقيد بقيود عصرنا الحاضر ، عصر المادة والتصميم الاجتماعي ، فشعر بالحاجة الملحة الى الاستقلال التام والخروج الى الغجر والمشردين حيث الحياة الطبيعية . فاحب حياة المخاطرة والمغامرة والعيش بين الذين يحبون تلك الحياة ، فهو مجاذف يحب المجاذفة والاستقلال ، تنطق بذلك صوره للفلاحين التي تتدفق منها الحياة . اما صوره للغجريات فاجمل بكثير واكثر وقارا من صوره لنساء المجتمع الحضري .
رسم جون في مرحلة من مراحل حياته المهنية ، مجموعة من الصور لبعض رعايا الهند الغربية ، فكانت هذه الصور قريبة جدا من الشعوب الابتدائية ، وان صورتي « فيليس » و « امنتا » من
هذه المجموعة هما اللتان حملتا ويندام لوس على وصف جون بقوله : « يفتح جون عينيه الزرقاوين الكبيرتين فيرى بها رأسا قائما يتلألأ امامها ، فيتمسك به بينما يعد ريشته ولوحته ويخط بهما صور لذلك الشبح القاتم » . ولكن لا تستطيع صور البشر الملونة ولا صور الفلاحين ان تشبع وحدها شهوة التصوير على تجيش دائما في صدر جون .
ولو عاش جون في غير هذا العصر كان كلف ، بلا ريب ، تصوير جدران الكنائس والقصور والمقصورات ، وكان من الضروري ان يوزع نبوغه على نواحي مختلفة ، وهو انما جرب بعض الاحيان تحقيق هذا المخطط بمحاولته رسم صور هائلة ، لكنه لم يتممها لشعوره بعدم وجود مكان لائق لها . ويقال انه يسمع مرة يقول مازحا في احد مطاعم لندن : « اني اعتقد انهم لو سمحوا لي و لـ « ماتيو سمث » تزيين جدران هذا المطعم بالرسوم الجميلة لطلبوا منا مبلغا كبيرا من المال مقابل ذلك » .
اما اعظم تجاربه للتصوير على الطراز الفخم فقد كانت صورة « ليرك فانتازي » تلك الصورة التي رسم فيها غجريات جميلات شرسات تحملن اولادهن المذهولين ويجلسن في الصحراء . اما هذه الصورة فتعتبر بمثابة اقامة الشكوى على الحياة المتمدنة كما انها تعد مثالا ممتازا تدل على مدى اتساع نبوغ جون ومواهبه . وكانت محاولته الثانية صورة هائلة بالفحم رسمت على جدار تمثل ذكرى حرب كندية ، وقد ملأت بالشخصيات المتفوقة في معالجة الحوادث والوقائع ولكنها لم تكتمل . وكذلك صورة « كالواي » – وقد انجزها في اسبوع – وصورة
« مرز » فهما مملوءتان بالاعمال الحية الناطقة ولكنهما لم تكتملا ايضا .
وبعد جون ، ثقة في ضبط التفاصيل ، فلو اتلفت جميع تصاويره وتركت رسومه فقط خلدت اسمه وحدها .
ان الطبيعة بنظر جون مهزلة عظيمة ، فهو يرى فيها العظمة والشجاعة كما يرى فيها المجون والسخرية والحزن والشر ، ولكنه على كل حال يتمتع بها بحيوية ونشاط ، مهما كانت ، ويفهمها فهما جيدا وهذا هو مصدر عظمته .
اما اذا نظرت الى جون اليوم فتجد امامك رجلا عريضا ملتحيا وقد ارتدى رداء فضفاضا ، فتتحقق انك لا تنظر الى تأثر يرفض الخضوع الى اي نظام اعوج يقف في سبيل الحرية ، بل الى رجل يعيش بسخاء ونشاط عيشة فخمة عظيمة . فاذا اسيئت معاملة صديق تأثر له وشمر عن ساعديه للدفاع عن حقوقه مهما كلفه ذلك الدفاع ، ولا يزال الناس يلهجون باستقالته من المجمع الملكي عام ١٩٣٨ ، لان المجمع رفض صورة « اليوت » من ريشة صديقه « ويندام لوس » ( وقد اعيد انتخابه الى المجمع عام ١٩٤٠ ) . فاذا ما كسبت فكرة ما عطفه اندفع وراءها بكل ما اوتي من حماس ونشاط .
ولد « اوغسطس جون » في مدينة « تنبي » في « سوث وايلز » ولكنه يقضي الان معظم وقته في بيته الريفي لي « فوردنبوج هاشي » رغم انه يميل دائما ، – مثل اصحابه الغجر – الى التنقل والتجول . وهو رياضي وشاعر وفنان ورجل المحال ، ولكنه لا يمكن ان يلازم مكانا واحدا او يمتلك بنظرية واحدة ، فهو فوق ذلك بكثير .