لست اقتصادياً لادل على ما اقول بالارقام ، ولا سياسياً لاعلل الناس بالكلام ، ولكنني واحد من افراد هذا الشعب الذين اعطوا ، بعد ان « حرموا » الكثير ، موهبة « الاحساس » ، وقوة « الملاحظة » ، والمقدرة على « الاستنتاج » ! فاحسست ان في البلاد حالة تدعو الى القلق الشديد ، وتقضّ مضاجع العائلات الآمنة ، وتسدل الستار الاسود بوجه مستقبل الشباب ! ولاحظت ان الكثير من هذا القلق يعود الى غلاء شاذ تئن منه جميع طبقات الشعب ، على اختلاف مداخيلها وغناها ، بعد ان زالت موجة الغلاء او كادت عن جميع بلدان الارض ...
فاستنتجت ، من هذا الاحساس ، ومن هذه الملاحظة ، اننا قادمون على الكارثة الكبرى التي باتت تهدد الناس باكثر مما يتصور الناس ، باكثر من الجوع وباكثر من الموت ! باتت تهدد بالمذلة والعار ، وبالشعور بتفوق ذوي المال ... واستنتجت ان الذين تنقص مداخيلهم عن مصاريفهم ، وخاصة من اصحاب الوظائف والمسؤوليات ، لا يستطيعون تقويم النقص الا بطريقة مؤلمة ، اما لكثرة ما فيها من التضحية ان كانوا من ذوي الخلق النبيل ، او لكثرة ما فيها من الاستهتار بالشرائع الاجتماعية والمدنية والالهية وبحقوق الناس ! والطريقتان لا يجوز السكوت عنها .
فمن المسؤول عن استمرار هذه الحالة ، بعد ان هبطت اسواق العالم كلها ، وبات بامكان اهل الارض ان يوازنوا ، ولو الى حد ، بين المدخول والمصروف ! لماذا لا يزال اللبناني وحده على وجه الارض مضطراً الى انفاق مدخوله الشهري على « مطبخه » في اسبوع ! من المسؤول عن هذا الارهاق بعد ان اصبحت وسائل التفريج ممكنة وفي متناول اليد ! من المسؤول عن هذا الاستثمار لآلام الناس واتعابهم ، وعن هذا التهديد بالحرمان والمجاعة لتسعين بالمئة من ابناء لبنان المساكين ، بعد ان ضاقت مستودعات الجمارك باصناف البضائع التي تساعد على تفريج ناحية
