نتابع نشر هذه التعليقات التوجيهية التي تذاع من محطة راديو الشرق في السابعة والنصف من مساء كل اربعاء:
انه لما يدهش حقاً ان يكون بتهوفن قد استطاع، كما ظنه الناس على قمة من قمم الفن، ان يقفز الى واحدة اعلى، حتى بلغ القمة التي تحاول ارتقاءها الليلة في السيمفونيا الخامسة. فبعد السيمفونيا الثالثة، او سيمفونيا البطولة، التي ظنها المتذوقون ارفع ما يمكن ان يتوصل اليه فن الموسيقى، والفن على الاطلاق، اتى بتهوفن بالسيمفونيا الرابعة فكانت قفزة اعلى، ثم اتت بعدها الوثبة الكبرى في السيمفونيا الخامسة، اشهر ما في الموسيقى، واعلى رقم في العبقرية، سجله بتهوفن في طرفة اهداها الى الاجيال سلماً ذهبياً جذاباً يحمل الانسانية من اعلى الى اعلى الى ما شاء الله، الى الله.
فكر بتهوفن كثيراً، وتأمل كثيراً، وحاول اساليب كثيرة، قبل ان يؤلف هذه السيمفونيا، تهيباً منه لاهمية الاقدام على مثل هذا الحدث الجبار. واخيراً تكامل التصميم في ذلك العقل الذي لا يحد، فنقر بعقد اصابعه على طاولة امامه، واذا بنا نسمع القدر يطرق الباب كما تطرقه اصابع الزوار، وهكذا تفتتح السيمفونيا التي تنقلنا الى عالم بتهوفن، ذلك العالم المستقل الامثل، الغني بكل حق، وكل خير، وكل جمال، ونحن لا نزال، كمن هو بين اليقظة والمنام، نسمع ذلك النقر على الباب، يخفت احياناً واحياناً يعلو، وهو يحملنا معه في ارتفاعه وفي هبوطه، من دنيا الى دنيا، ومن
سماء الى سماء، في فخامة تفرد بها بتهوفن، وفي تناسق جريء لا «يلبق» الا لبتهوفن، وكأن كل فكر مبهم او عاطفة عميقة، وكل احساس غامض او حلم غريب، وكل شيء مما يمكن ان يمر في خاطر انسان او في قلبه او في خياله مرور الطيف الهارب، هو شيء واضح جلي في عقل بتهوفن، يمكنه ان يكيفه ويعبر عنه كما يشاء، وان يزين به دنياه على هواه، فندركه في موسيقاه وهو منا، اكثر مما ندركه في نفوسنا، وندرك نفوسنا فيه اكثر مما ندركها في الحياة، فلا نستطيع الا ان نقول: سبحان من جعل من الناس معلماً للناس خلافاً لأمثل ما يمكن ان يكون في نفوسهم، انساناً ينتظم في قواه الخارقة، كل ما يمكن ان يجول في عقل انسان من معرفة وحق، او ان يختلج في قلب انسان من حب وجمال، او ان يتحرك في نفس انسان من تمام وامل، وجميع
ما في الطبيعة ما يمكن ان يسير بالناس خطوة جديدة نحو الكمال.
تبدأ هذه القطعة التي نسمعها الان، وهي الجزء الاول من السيمفونيا الخامسة، بدقات تشبه الدق على الباب عند قدوم ضيف غريب، وتتكرر مرتين متواصلتين فتخفق قلوبنا، ثم تتواصل في فترات متقطعة، مكونة اغرب وابسط ميلوديا لهذه الطرقة. فاذا رافقنا باصغائنا هذه الطرقات على الباب، او هذه الميلوديا، وتصورنا رجلاً في غرفة منفردة عند منتصف الليل، يستيقظ موهولاً على صوت هذه الطرقات فيعرف انها طرقات القدر او ملاك الموت، ويحاول ان لا يسمعها، فتزيد، فيستعرض سريعاً تاريخ دنياه وعوالم الخير التي تجعله ينجو من عقاب ذلك الطارق، ويصغي هنيهة، فاذا بذلك الصوت يتواصل، فيحاول ان يوصد اذنيه دونه، ولكن الطارق لا يزال على الباب، يسمعه الطرقات نفسها باصرار عنيد بارد، في فترات تتقارب وتتباعد، فيخفق قلبه، وكأنه ينبض على وقع تلك الطرقات. ويهرب المتألم من دنيا الى دنيا، فلا يتخلص من الصوت، ويحاول ان يحاربه باصوات اعلى كأنه يشجع نفسه، ولكن الطرق على الباب يعلو مع علو الاصوات! اذا تصورنا ذلك، وتصورنا ان هذه العوالم التي يجول بها هرباً من ذلك الطارق المرعب هي جميع عوالم الجمال والخير والحق التي يمكن ان يلجأ اليها انسان مثلي مؤمن يخاف الله، اذا استطعنا جميع ذلك فنحن الليلة في عيد سماوي قدمه لنا بتهوفن في هذا الجزء الاول الذي نسمعه في السيمفونيا الخامسة.

