

في الشمال الغربي من اميركا الجنوبية تقع جمهورية كولومبيا ، وهي بلاد اكثرها جبلي ، شواطئها حارة لاتوافق الا العبيد ، وجبالها طيبة المناخ ، لذلك تقع فيها كبريات مدنها حتى العاصمة «بوغوتا» التي ترتفع عن سطح البحر الفين وثمانمائة متر ، وهو ارتفاع قمة جبل صنين .
مساحة كولومبيا مليون ومئة وخمسون الف كيلو متر مربع ، وعدد سكانها تسعة ملايين ، منهم حوالي الثلاثمئة الف في العاصمة . وهم يتألفون من عناصر عديدة كالهنود ( ٢ بالمئة ) والجنس الابيض ( ٧٥ بالمئة ) والعبيد السمر ( ٢٣ بالمئة ) .
اول من دخل شواطئ كولومبيا هم الاسبان على يد الفاتح الفيزو دي اوجيدا وذلك سنة ١٥٠٨ ، فأسسوا على شواطئها شبه مملكة صغيرة . وظلت الشعوب خاضعة للفاتح حتى قام «بوليفار» يناضل في سبيل تحرير بلاده ، وفي سبيل مثلها العليا ، وكان ذلك سنة ١٨١٠ ، واستمرت رسالته على ايدي اسلافه الابطال الى اليوم . ومن الامثلة عن بطولته ، وايمانه بالنصر ، وتغلبه حتى على المخاوف ، ودك الغدر بمهده ، تلك الجملة المأثورة التي قالها عندما نصحه احدهم بالاستسلام للاسبان : اذا الطبيعة ثارت ضدنا والاسبان يحاربوننا ، فسنحارب الطبيعة ، ونهزم الاسبان مع الطبيعة . » وما كان عزمه ليلتوي ، وكان له ما تمنى .
وبعد موت هذا القائد انشقت البلاد الى حزبين رئيسيين حزب المحافظين ، وحزب الاحرار ، وما تزال مقدرات الجمهورية
في ايدي هذين الحزبين الى اليوم .
اما بوغوتا ، عاصمة كولومبيا ، فينظر اليها كقائدة الفكر الادبي في العالم الاسباني ، وهي تلقب باثينا اميركا الجنوبية ، لكثرة كتابها وشعرائها ، ولنزعتها الكلاسيكية . وليست الحكومة اقل نشاطاً من الشعب في التثقيف ومحاربة الامية فهي ترسل البعثات الى عواصم العلم ليعودوا حاملين الى وطنهم زبدة الاختبار والنتاج الفكري .
اما الزراعة واستخراج المعادن فيها العاملان الاساسيان لحياة كولومبيا الاقتصادية واستناداً الى ذلك نعتبر ان القهوة والموز والذهب والبترول هي خمسة وتسعون بالمئة من صادرات كولومبيا . ان امكانيات كولومبيا الزراعية هي غير محدودة نظرا لمركزها الجغرافي وخصب ارضها ، ولكن عدم وجود شبكة طرقات فيها تجعل الزراعة صعبة لبعد المسافات لنقل المنتوجات . وهي البلاد الثانية بعد البرازيل لانتاج القهوة ويؤكد لنا ذلك كثرة شجر القهوة فيها وهو يقدر بستمئة مليون شجرة . وكثيرون يفضلون البن الكولومباني على البن البرازيلي لجودة صنفه ولذة طعمه وهو يباع بزيادة عن جميع اصناف البن في الولايات المتحدة . وجمهورية كولومبيا مؤهلة لان تكون صالحة لزراعة جميع الاثمار والنباتات فضلا على انها صالحة لتربية المواشي وهي ثروات حقيقة لكولومبيا . ويكثر الذهب في منطقة كوردليرا الوسطى ورواسب الانهر على شاطئ المحيط الهادي .
وكولومبيا تعد من البلاد الرئيسية
في العالم لاستخراج معدن البلاتين والزمرد واما الفحم الحجري والفضة والنحاس والقصدير والفوسفات فتأتي بالدرجة الثانية اما الصناعة في كولومبيا فينحصر معظمها بحاجة السكان مثل النسيج ، والاسمنت ، والصابون ، والجلد ، وصناعة الصحون الزجاجية والفخارية . فان حاجة كولومبيا لبعض اصناف ، وشعورها بالاستغناء عن استيراد مواد من الخارج ، قد ادخلت لبلادها الات جديدة عصرية لصناعة الزيوت ، والفواكه المقتنة ، والمجففة والسمك المقنن والورق والكرتون وفي كولومبيا اليوم نهضة قوية لتشجيع الصناعات الوطنية ، والتنديد باستيراد اصناف يمكن صنعها في البلاد . وقد قامت هذه النهضة المباركة سنة ١٩٤٠ فانشىء احدى وخمسون معملا لحل ونسج القطن . وثمانية وعشرون معملا للمواد الكيمائية . كما انشئت قوى جبارة للكهرباء المائية تقدر قوتها باربعة ملايين حصان .
هذا عدا مشاريعهم لري الوف من الافدنة بدلا من ان تصب مياه انهرها في البحر . والشيء الذي يسر في عهد هذه النهضة المباركة هو ايجاد عمل لنسبة مليون ونصف المليون عامل يشتغلون بالتداول لتقضي على البطالة . ويا حبذا لو نهجت حكومتنا هذا النهج في القضاء على البطالة التي تهددنا بعد ان اخذ يطغي على روح عمالنا الطيش وعدم المبالاة بوقت نحن احوج بان نحافظ على هذه الامانة الغالية التي طمحت اليها نفسنا في كل العصور .
ان جمهورية كولومبيا هي مؤهلة بان تكون ذات مركز تجاري هام نظراً لموقعها الجغرافي اذ يضم شاطئها المحيط الاطلنطي والهادي وهو على فتحة قناة بناما . وان ثمانية وخمسين بالماية من صادرات كولومبيا هي للولايات المتحدة
— البقية على الصفحة ٤٨ —