اشكر للجنة اليتيم العربي انها اتاحت لي الانفلات ولو فترة قصيرة من بيئة الحكم وبغضائه اذا حزم، وتبذله اذا تراخى، ونقمة نصف الناس اذا عدل، وقبضت لي الانعتاق من محيط الارقام الجافة الى بيئة العاطفة والشعور، اجلّ عاطفة واجمل شعور، عاطفة العطف على من فقد كل عطف والشعور بالحنان على من حُرم كل حنان «اليتيم».
ثم اشكر للجامعة الاميركية انها فتحت صدراً رحباً ومدت يداً سخية لعمل اللجنة المبرور، تلك ردة جميلة نحو امة فتحت صدرها لبعثة كريمة وعقلها لثقافة قوية.
اعود لليتيم فاتخيل اجراس العيد تدق والناس يهرعون الى معابدهم ثم يؤوبون الى دورهم يكلأون صغارهم المصطلين على نار، اللاعبين بدمى، الا كلين الحلوى المتزينين بحلى، العاطفة عليهم قلوب، والحانية عليهم صدور، المكبة عليهم عيون وابصار، لهم المرقد الوثير، والعيش النضير والهناء الوفير، فالخلق كلهم ينعمون باعيادهم الا واحداً يفترش الغبراء ويلتحف السماء ويتدثر الاسمال اغفاءته على انين الالم لا على انشاد ام، واقامته على صدر حجر لا على صدر حنان، يصطلي على جمرة دائه وبقتات التراب بتلمس بيديه فتلصق شفته باقدام المارة، يتحسس ضرعاً فيتلقف فمه فضلات البهم. يمرض فلا يداوى ويشقى فلا يوآسى، يجوع فلا يطعم ويعطش ولا بلغة ماء. لا ام تحنو ولا اب يعطف له.
الدنيا ولا شيء في الدنيا، عيناه عالقتان في السماء التي ارادت الارض مورداً لكل حي فلم يلق هو من الارض الا البؤس والشقاء والجوع والعري والالم والداء.
ذلك هو اليتيم
اليتيم الذي فقد كل شيء: مبعث العطف، مصدر الحنان، سؤل الامل، فكأنه لم يقطع من قلب ولا سل من كبد! يبذر الناس الذهب بدرات في سبيل شهواتهم وهو لا يلقى الا التراب قوتاً لجوعه.
ويصوغ الناس الماس زينة لنحورهم وهو لا يستطيع اتقاء البرد باطمار بالية.
وينثر الناس العنبر والمسك طيوباً على ابدانهم وهو ليس له حتى ولا يابس العشب علاجاً لامراضه واوصابه.
ارأيت ذلك الهيكل الناحل تعد عظامه عداً وينفذ النور فيه من ناحية جلد الى ناحية جلد، انه خيال اليتيم.
اسمعت تلك اللهثات ترسلها الحمى زفرات شكوى من ظلمة الارض الى رب السماء، انها انات اليتيم.
او ابصرت بخيال اذا مشى فديبياً على الارض، واذا استقام تجررت على
الارض قدمه عياء، انه الحي الميت انه اليتيم.
وللخلق خالق وللارض والسماء رب، نفخ من روحه في كل خلقه فاذا لم يطعم الجائع ولم يقت الملهوف ولم يكس العريان، ويوآس المريض ويؤسّ اليائس، واذا لم تمد يد لليتيم وهو الجائع الملهوف اليائس المريض العريان تكفر بخلق الله كفرانه بالله.
وهذه اللجنة التي تعنى عنايتها باليتيم ويسلخ افرادها من اكبادهم حنان الام ويسلون من قلوبهم عطف الاب ويمدون يداً كريمة سخية الى اليتيم، انما هي تعمل عمل احسان وايمان يقرب الانسان من الكمال، عمل اخلاق ودين واجتماع.
ألم يمثل السيد المسيح محبة نفسه بمحبته لليتيم اذ قال ان الوصية هي اطعام الجائع المسكين وموآساة المريض. فقال في انجيله الكريم: اذا اردت كسب الملكوت فاذهب وبع كل مقتناك واعطه للمساكين.
ألم يرد في قول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: الناس كلهم عيال الله فاصلحهم عنده انصفهم لعياله.
ان اللجنة التي تقيم هذه الحفلة لا يقف عملها عند شكر الناس ان لها ثواباً عند الله. وان الذين يبرون بخلق الله انما هم بالله يبرون.
وان الحكومة اللبنانية التي تأخذ هذه اللجنة قسطاً مما فرض عليها لا تستطيع الا ان تصافح هذه اليد السخية وتبارك هذه العاطفة النبيلة.
