
رأيته شريداً لعبت به اهواء القدر ، فسلبتها سنتها انتاج ابيه وحنان امه . وصغيراً يتراكض متضاحكاً ، متفرجاً بين صفوف المشيعين كأنه لم يصب بالحرمان ولم ير المقل تدمع كلما اتجهت نحوه لتفقد فيه الحركة والسكنة ، ولم يسمع همسة قائل : « مسكين هذا الولد » !
سمعته صبياً اتكالياً يشكو قساوة الحكم ، ويندد جور الزمن ، وشهدته بالغاً قابعاً في زاوية خدعه تسيل في احشائه قطرات الاسى لرحلة ابدية سارها مسيراً اخلص صديق ، واحسن رفيق .
خفرتك السماء ايها الطفل المحروم ! والولد البائس ! والشاب المتعظ ! فاليتم مرحلة طبيعية شاء الوجود ان تقطعها يوم لفظتك مشيئته مخلوقاً حياً على شاطئه ، ويوم اختارك في عداد الكائنات ليكون نصيبك نصيبها في الحياة والموت ، في الاخذ والعطاء ، في الثبات والزوال .
انت راحل شأن غيرك بقدر ما تعتبر الحياة ممر الراحلين ، وانت باق بقدر ما تحسب ذاتك نسمة من روح البقاء وبقدر ما تعطي من ثمرة يألفها الخلود ، وانتاج يعيش رغم ذعر الموت ، واستمرار تهديد الزوال !
اليتم هذا الكاس بشربها المئات من امثالك في كل يوم والتي لم يخفف الترداد والتكرار حدة وطأتها على اي ذات .
لو جرت عليك ذيول الفقر وحدها لقلنا هي الاوضاع الاقتصادية تتلاعب بها الجهود والظروف فان ايسرت فارتفاع وان ادبرت فاتضاع ، ولحسبناها امراً عادياً ، ولتركناك وشأنك دون ان نجتمع اليوم لنذكرها ونذكرك معها ، ونبعث في نفسك الذكريات ، وفي نفسنا الحسرات .
ولكن التمتع بالابوة والامومة ضرورة
طبيعية لك كإنسان تميزك عن من هو دونك في مملكة الحيوان ، فبين الحيوان من حضره حنينه اسابيع ، وبينها من ارضع ولده اياما ، وبينها من اكله صغيراً ، ومن نازله وعاداه كبيراً .
اما انت فيطول امد احتضانك جنينا ، ويحسبك العلم طفلا حتى نهاية السنة الثانية ، ويعتبرك القانون قاصراً حتى الواحدة والعشرين من عمرك وسبب هذه الاتكالية المطاطة فيك ، هو بطء نموك العقلي والجسدي الذي يتطلب استكماله ربع قرن من الزمن تحتاج في خلاله الحنان والعطف ، التشجيع والتأنيب ، وكلها تهذب حيوانيتك ، وكلها يكيف امكانيات الانسان فيك ، وكلها قوت ضروري يغذي كيانك الحي ، ويجعل منك آدمياً يفكر ، وبشراً مهذباً راقياً يعيش ليعطي وينتج . ومن اجل حاجتك الماسة اليها ، ومن اجل حرمان تذوقه في سلخ ما هو ضروري عنك تبكي ايها اليتيم ، ويبكيك كل من عرف ان دنياه ام فاضلة ، ومثله الاعلى اب يطفح خلقاً كريماً ، ويتدفق انتاجاً وقوة .
لك على دنياك ما لك على مجتمعك من حق الشكوى ، هذا المجتمع الذي يسيء اليك مع كل همسة لليتم يقذف بها نحو مسمعك اساءته الى من حرم رؤية النور بقوله انت اعمى ، والى ذي عاهة بقوله انت اعرج او ابكم !
لقد جعل المجتمع من يتمك عاهة
فغزلك في مؤسسة خاصة بك ، واعتبرك عضواً عاجزاً ، فاعد لتربيتك وانشائك مسلكاً خاصاً ، ووصلك بالضعف والعجز ، ولو عدل ! لرأى فيك امكانيات يراها في ولده المنسلخ عن قلبه ، ولاعد لك من الفرص احسنها وافضلها .
تتمرد ذاتك الصغيرة امام حكم القدر ، واتفرد معك امام قساوة المجتمع ، واذا كان من احسان اتلمسه منه ، وهو ناهض اليوم ، وسائر في طريقه نحو البنيان والاصلاح ، هو ان يعطيك ما سلبك من حق ، وان ينظر اليك كواحد منه ، لك عليه وله عليك من واجب التوجيه والتربية الصحيحة .
هذا المجتمع الذي اؤمن بانسانيته النبيلة الفياضة ، هذا المجتمع الذي يحلم بنفسيات كبيرة غنية ، تطل عليه في غده لتمده بالحياة والقوة اريده ان يرفع يده معك اليوم ليمسح كلمة يتيم من دنيا الوجود ويستبدلها بكلمة مدرسة ، او دار تربية ، اريده ان يتبناك ، ويخلق لك في زواياه بيتاً يعطيك من معين مادته ما لا يعوزك الا لرحمة ربك ، ومن عطفه المعنوي سيلا يغسل عزلة اليتم بماء الغفران وما ينسيك مرارة الفقدان .
ايها اليتيم انت لنا ومنا ، ولان لا يزال مجتمعك يعتبرك غريباً في وطنك ! وهل مرارة الهجرة اصعب من مرارة المقيم الغريب ؟ والكامل المشوه ! والقوي المستضعف ؟
ان الميتام باسمها وانظمتها من صنع القرون الوسطى ونحن في القرن العشرين تفصلنا عنها اجيال من الحضارة والرقي كلفت الانسان مراحل من الجهاد والنضال المعنوي ، وازالت عنه ظلمة لا تريد ان يبقى ظلها رمزاً يتمثل فيك .
— البقية على الصفحة ٣٢ —