اسماء متكئة على الشباك ، ووجهها بين قضيبين باردين ، تفكر وهي تنظر الى الحديقة . النهار اوشك ان ينتهي . السماء رمادية اللون والغرفة مظلمة . لماذا يشعر الانسان ان قلبه ينقبض في اخر النهار ولماذا يرى كل شيء حزينا ؟ لا يصل اليها سوى النور الآتي من شباك بيت الجيران ، من خلال ورق الاشجار ، خفيفا متراقصا . تحاول اسماء ان تنسى افكارها وان تلتهي بشغل ما ، لكنها لا تقدر ان تنقطع عن التفكير بابنة عمها جاكلين وان تقابل نفسها بها .
لقد فارقتها جاكلين منذ برهة وجيزة بعد زيارة قصيرة مستعجلة . وكانت جاكلين راجعة من حفلة شاي راقصة وذاهبة الى سهرة راقصة ايضا . لقد سردت عليها ما جرى البارحة في السهرة وحدثتها عن الالتفات العظيم الذي احرزته وعن الاعجاب الذي لقيه فستانها الجميل الذي كلفها ثلاث مئة ليرة .
ان اسماء وابنة عمها في سن واحدة لكن جاكلين غاية في الجمال ووالداها كما يقال ، من صنف « المودرن » يسمحان لها ان تخرج متى ارادت وان ترقص وتلهو كما تشاء . اما هي فيجب ان تكتفي بان تحلم بكل ذلك .
وكم تتغير الاحوال : منذ سنتين فقط كانت جاكلين واسماء معا في نفس الصف كانت اسماء متفوقة على ابنة عمها بكثير . وام جاكلين دائما تقول لابنتها :
- انظري الى اسماء فهي دائما بين البارزات في الصف وانت دوماً اما الاخيرة
او قبل الاخيرة ، لا تفكرين الا في تبرجك وزينتك .
كانوا يهنئون اسماء على نتائجها الممتازة وكانت هي تكتب سراً فروض جاكلين كلما كانت هذه مدعوة الى حفلة رقص لا تريد ان تفوتها .
ان والد اسماء لا يسمح لها ابدا ان ترقص ومن جهة ثانية هي نفسها لا تشعر بميل كثير الى الرقص . كانت تفضل القراءة على كل شيء آخر . ولكن كيف تعاشر الناس ان لم ترقص ولم تذهب في السهرات ولم تجار العالم في ملاهيهم ؟ كانت صديقات امها يقلن عنها : « اسماء بنت حسنة السلوك وعاقلة جدا . اين يوجد مثلها في ايامنا هذه ؟ » ولكنهن ينسينها عاجلا ليتكلمن عن اشياء اخرى الذ واكثر امتاعا ، فلا يهتممن بها الا في ما ندر ، بينما كانت جاكلين تحرز التفاتا كبيرا اينما ذهبت ، فاذا وجدنا معا في بيت اجتمع الناس كلهم حول جاكلين : انها مرحة كلها حركة تعرف كيف تسرد عليهم بطريقة ملهية مضحكة كل مغامرة صغيرة في حياتها القلقة . اما اسماء فانها تتكلم قليلا ، فقط عندما يسألونها سؤالا . وماذا تقول وهي التي تعيش في وحدة بالنسبة الى هؤلاء ؟ نعم ان احوالها تغيرت كثيرا منذ ايام المدرسة . ها هي تشعر بقلبها يطفح والدموع تصعد الى عينيها . اهو الحسد ؟ لا ما هذه السخافة ؟ لكن دمعة تنحدر على خدها فتمسحها مسرعة بطرف اناملها ، ثم تخرج الى الحديقة لتتمشى
