عندما بدأ العرب فتوحاتهم وسياسة التوسع منذ نحو ألف وثلاث مئة سنة أتوا إلى كل قطر فتحوه باللغة التي بفضل غناها واتساعها حلت محل اللغات الوطنية أو غيرتها تغييراً أساسياً. فقد حلت العربية محل اللغات السريانية والقبطية المصرية والبربرية الأفريقية في حين أن إيران خلال ٢٥٠ سنة بعد الفتح العربي (من سنة ٧٥٠ - سنة ١٠٠٠ ميلادية) تأثرت كثيراً باللغة العربية إذ ظلت طوال هذه المدة لغة الأدب الوحيدة تقريباً في تلك البلاد. وعندما عادت اللغة الفارسية إلى الحياة كلغة للآداب بعد نهاية القرن العاشر للميلاد كانت قد تطعمت بقوة اللغة العربية وتبنت قسماً كبيراً من المفردات العربية.
ولم يكن السبب في ذلك أن العرب الفاتحين فرضوا لغتهم فرضاً على سكان تلك الأمصار بل أن سبب تفوق العربية على لغات السكان يعود إلى السهولة التي بإمكان المفردات العربية الكثيرة أن تعبر بها عن أدق المعاني والألوان الفلسفية والعلمية. ولا يمكن أن يتصور المرء فضلاً للغة العربية أعظم من تلك الحقيقة الكبرى إلا وهي أنه عندما أغار التتر الفاتحون على بلاد المسلمين مكتسحين كل شيء في طريقهم من خوارزم إلى بغداد لم تصمد اللغة العربية فحسب بل قهرت الفاتحين أنفسهم. ولا تزال اللغتان التترية والتركية حتى الآن تحتويان على قسط كبير من المفردات العربية.
والتأثير العظيم الذي للغة العربية على اللغات الهندية يشكل أيضاً قسماً من
المظهر اللغوي العجيب. ويعود تاريخ اتصال الهند ببلاد العرب إلى عدة قرون قبل ظهور الإسلام. فكان التجار العرب يبتاعون الروائح والأطياب من سواحل السند وغوجرات ومالابار بحيث أن الكلمات السنسكريتية المستعربة كالزنجبيل والفلفل والمسك والصندل والنيلوفار أدخلت إلى صلب اللغة العربية في العصر الجاهلي. ويحتمل كثيراً أن تكون بعض الكلمات العربية قد تسربت إلى اللغات الهندية أيضاً بنفس الطريقة قبل صدر الإسلام. على كل أن الأثر الثقافي الأول الذي اتخذ طابعاً مستمراً من العربية كان عند ما فتح العرب بلاد السند تحت قيادة محمد بن قاسم عام ٧١٠ ب.م. ويروي الرحالة البغدادي الاسطخري الذي زار بلاد السند في أواخر القرن الثامن للميلاد قائلاً: «إن لغة المنصورة المعروفة الآن بها كار ولغة مولتان ونواحيها هي العربية والسندية. أما لغة سكان مكران المعروفة اليوم باسم بلوخستان فهي الفارسية.
ويؤيد هذه الشهادة ابن حوقل الجغرافي العربي الشهير بعد ذلك بمدة سبع عشرة سنة فيقول «يتكلم العربية سكان المنصورة وضواحيها». وقد كتب المقدسي عام ٩٨٥ ب.م. عندما أتى إلى مولتان ما يلي: «تقع ديبول (ثاط) على ساحل البحر وحولها نحو مئة قرية معظم سكانها من غير المسلمين. ويغسل البحر أسوار المدينة. أما السكان فجميعهم تجار يتكلمون اللغتين السندية والعربية». وهكذا نرى أن أول اللغات الهندية التي
أخذت بسحر اللغة العربية كانت السندية. وقد تسرب تأثير اللغة العربية إلى بقية لغات الهند الشمالية عن طريق آخر أي طريق اللغة الفارسية التي كانت مملوءة بالمفردات العربية عندما أصبحت لغة القصور في عهد الأباطرة المسلمين الذين حكموا القسم الأعظم من الهند الشمالية وعاصمتهم دلهي مدة ستة قرون كاملة ابتداء من العام ١٢٠٦ للميلاد.
ويمكن القول. أن اللغة الهندستانية هي أكثر اللغات الهندية شيوعاً بين سكان الهند بصورة عامة وذلك بلهجتيها الهندية والأردية. وقد نشأت من اللهجة الاندوارية المعروفة باسم سورساني التي كانت شائعة حول دلهي. وبديهي أن تكون دخلتها عدة كلمات تركية وفارسية وعربية بفضل الاتصال بالعالم الإسلامي. ويظهر هذا الأثر ونتائجه بصورة جلية في اللغتين الحديثتين الهندية والأردية. ونجد هنا برهاناً مدهشاً آخر على حيوية اللغة العربية في أنه بالرغم من أن اللغة الفارسية كانت تتمتع بجميع مزايا لغات القصور وعلى الرغم من أنها أثرت تأثيراً عظيماً على شكل الآداب في شمالي الهند فإن المفردات العربية الداخلة إلى الهندية والأردية أكثر بكثير من المفردات الفارسية الأصل. حتى أن النتيجة اليوم إذا ما قررت الهند بغتة تحريم استعمال العربية وحذف مفرداتها من مختلف لغاتها لانقرضت ثلاث منها على الأقل وتأثرت عدة لغات أخرى إلى حد كبير.
واللغات التي يتحتم عليها الموت حالاً في حالة تحريم استعمال المفردات العربية
