في وسط ظلمة لا يخترق حجابها الا نور ضئيل باهت، جلس صاحبان متقاربين اشد التقارب ومتباعدين اشد البعد. لقد كانا متقاربين متقابلين بالجسد والحس، ومتباعدين متنافرين بالفكر والعقل والخيال. احدهما - وهو صاحب المنزل - يمتاز بخشونة ملامحه وقوة نظره ونفور شاربيه، والاخر الجالس بقربه على المقعد كان طويلا نحيلا ضيق الاكتاف رفيع الرقبة، ولكنها رقبة حسبها فخراً انها تحمل رأس رجل مفكر فيلسوف وعبقري شهير! هوذا يجول بنظراته الباهتة الحائرة، شأن غيره من المسنين الذين ترتسم على وجوههم نظرات الابتهال والمساومة... وينفث الدخان غيماً كثيفاً من غليونه.
ناصعة البياض هي تلك الضفائر التي تنساب من رأسه وتتدلى على وجهه المتجعد الوقور...
هادئة هي ابتسامته الغامضة... وكأن لا يؤثر بمحيا رجل مسن سوى راحة الضمير والسكون عند الفضيلة...
جلس صاحبانا دون ان يتكلما. ومن خلال هذا الهدوء الشامل كنت تسمع صوت فقاقيع الزيت المحترق الواهن الضعيف مشوباً بصوت فقاقيع عصارة - التتن - الواهن الضعيف... وها هي الساعة على الحائط تحيطها هالة من النور الباهت، تنّ وتدق الحادية عشرة.
وهنا اخترق هذا الصمت صوت الرجل المفكر. وبلهجة موسيقية ناعمة عميقة بدأ قائلا:
- هوذا الوقت الذي كنت تمزج به عادة شراب نخب السنة الجديدة...
- نعم هذا هو الوقت. اجابه الاخر بصوت خشن كأنه صدى صوت هائل مستصرخ.
- لم اكن لاظن - استمر الضيف قائلا - لم اكن لاظن ان هذا اليوم سيكون حزيناً الى هذه الدرجة بدونها.
فوافقه المضيف على قوله باشارة من رأسه ثم ردد:
- لقد هيأت لنا الشراب اربع واربعون مرة... نعم اربع واربعين مرة، ومنذ هذا الوقت وانا اعيش هنا في هذه البلدة تزايرني انت فتسري على ما انا به من هم وكمد وضيق...
وهنا انبعث صوت الفيلسوف وكأنه صادر عن كهف سحيق فقال وكأنه يفيق من حلم:
- لقد كنا في السنة الماضية وفي نفس هذا الوقت ثلاثة مجتمعين فرحين... اجل، اني اذكر ذلك تماماً... لقد جلست هنا... هنا على هذا الكرسي المتضعضع... ثم ها نحن نشرب، ونتناقش حول مواضيع متفرقة بسرور وغبطة عظيمين .. وها هي الساعة تدق الثانية عشرة فتقف وتتمنى لكل منا سنة جديدة ملؤها الحبور والغبطة... ثم تنسل الى فراشها... وها هي بعد هذا اليوم بشهرين... ها هي محمولة على الاكتاف تنسل بواسطتها الى فراشها الابدي...
فاجابه الزوج بحسرة محرقة...
- لقد كانت امرأة طيبة مخلصة. لقد كانت من خيرة النساء منفعة وعقلا وفكراً واحساساً وقلباً... لقد كانت تهتم بي كثيراً: فكنت كلما استيقظت واردت الذهاب الى العمل عند الخامسة صباحاً رأيتها ابداً فوق رأسي تنظر الي
نظرات كلها عرفان جميل، كلها حب ونزاهة وجلال، وبيدها فنجان القهوة يرتفع بخارها فيحجب على وجهها المشرق... لم اكن لاحلم انه سيحجب هذا الوجه عني دخان الموت بهذه السرعة! كلا.. كلا لم اكن لاحلم ذلك! كنت احبها كثيراً ولكنني كنت اكره فيها حبها للتناقش معك في امور الفلسفة، اي..
- «لم تكن لتفهمها»... كلمات همسها الضيف وكأنه غارق في حلم عميق. همس وكأنه صادر من كهف بعيد غائر كئيب.
وبعد صمت لم يدم طويلا ابتدأ العالم قائلا بشيء من الارتباك والتردد:
- صديقي استمع... عندي شيء احب ان اقوله لك... شيء قضني مدة طويلة... شيء يستحيل علي ان اقوده معي الى القبر...
فصرخ المضيف وهو ينفث دخان غليونه ويهز كرسيه دون ما اهتمام:
- ابداً اذاً... فماذا تنتظر!
- في ذات يوم.. حدث شيء.. بيني و.. بين امرأتك..
- ارجوك ان تقلع عن مزحك المعتاد خصوصاً في شؤون كهذه!..
- اني اسرد على مسمعك حقيقة هائلة مخيفة يا صديقي.. لقد كتمتها اكثر من اربعين سنة والان في هذا الوقت يجب علي ان اطوي هذه الصفحة من حياتي على مسمعك..
- فصرخ المضيف بحزم «هل تعني ان زوجتي قد خانتني؟!
- عار عليك ان تقول هذا - اجابه الفيلسوف وابتسامته الدائمة الحرفية لا تفارق شفتيه - لقد كانت مثال الطهارة والعفة والفضيلة. لقد كانت نقية كالملاك... انا وانت هما المجرمان...
