اصغ الي: منذ ثلاث واربعين سنة مضت، امرأتُ ان تذهب الى العاصمة لامر هام، وكنت انا حينئذ ادرّس في الجامعة... اتذكر اي فتى طائش كنت؟.. اتذكر تلك الشخصية الحوراء الجميلة التي احببت!؟
- أأذكر!.. نعم.. نعم كانت تدعى «هيفاء» وهنا حامت ابتسامة ضعيفة خاسفة على محياه الملسوع بوهج الشمس، المغطى بخطوط العمر الموقرة..
- لقد نبهتك وقلت لك بصراحة ومراراً: قد تلاحظك.. قد تمكر بك.. قد تهدم اسرتك.. فحذار، اعرض عنها.. ولكنك لم ترعو ولم تعِ الى رشدك..
لقد خدعت زوجتك.. ولقد ارتابت واشتبهت في ذلك ولكنها لم تقل شيئاً بل تألمت بسكون وهدوء. لم تلحظ انت ذلك، ولكنني فطنت اليه.
لقد كانت اول امرأة رغبت ان اطلع على قلبها وان اتغلغل الى نفسيتها بعد موت والدي. لقد دخلت في حياتي كنجم مشرق متلألئ.. وقد كنت لها ايضاً بمثابة نجم ساطع متلألئ... وانما استدعيت شجاعتي في اول فرصة وسألتها عن سبب قلقها ووهنها. فابتسمت وقالت ان صحتها ليست على ما يرام..
ومضت الايام تتتالى، وكان يوم رأس السنة، فجئت الى هنا حوالي الثامنة كالعادة وكانت جالسة تطرز. فجلست قبالتها وبدأت اقرأ في كتاب بينما كنا ننتظر ايابك. ومضت الساعات الواحدة تلو الاخرى... ولم تظهر. ولقد لمحت ارتباكها وارتعاشها... فارتبكت وارتعشت. لقد عرفت الشخص الذي يسليك عنا، فخفت ان تنسى منتصف الليل بين يديها! وها هي الساعة تتراقص امامي بينما يقترب عقرباها الواحد من
الاخر ليجتمعا فوق الثانية عشر... لم يعد بامكان زوجك التطريز وهي على هذه الحالة من الارتعاش المكبوت فتوقفت وتوقفت معها عن القراءة. وساد صمت مرهب مخيف فرأيت دمعة تنسل من عينيها وتسيل ببطء وهدوء فتقع على القطعة التي كانت تطرز. فوثبت اريد الذهاب اليك وارجاعك الى منزلك، فقد شعرت حينذاك بقوة هائلة تدفعني لكي انزعك بالقوة من جنب تلك السيدة.. ولكن امرأتك قفزت في الوقت نفسه عن هذا الكرسي الذي اجلس عليه الان وصرخت:
« - الى اين انت ذاهب - » وكان يسود وجهها رعب وشحوب لا يوصفان.
- فقلت لها: « انني ذاهب لارجاعك » وما ان رأتني اتهيأ للذهاب حتى صرخت بتأدب ولطف: - لا تدعني وحدي حباً بالمعروف، فعلى الاقل انت بقربي تسلي عني وحشة الوحدة. لا تدعني بربك. ثم رمت بنفسها علي والقت يديها على كتفي واخفت وجهها المبتل في صدري. فانتفض جسمي كطائر ذبيح: لقد كانت اول مرة احس بجسم امرأة يطبق علي... ولكنني ضبطت نفسي وابعدتها عني بلطف واخذت اواسيها واسري عنها جزعها وتخوفها.. وبعد ذلك بقليل رجعت ولكنك لم تلحظ ارتباكي: لقد كانت وجنتيك فائضتان بالاحمرار وكان يكسو عينيك اعياء شديد وتعب عظيم.
لقد احدث ذلك اليوم انقلاباً في ملأ نفسك رعباً وقلقاً، فكأنه هتاف صارخ او انذار مضٍ.
منذ ان احسست بيديها اللدنتين الناعمتين تحيطان عنقي، منذ ان تعطرت بعبير شعرها الفاحم، سقط النجم من السماء... وبدلا من نجم مشرق متلألئ
لم تكن سوى - المرأة - المرأة الجميلة الرشيقة.. تنفس الحب وتستنشقه.
كانت نظراتي ذلك اليوم تنم عن هيام وشوق وغرام، فاعلنت نفسي وغدا سفيها وخداعاً ماكراً. ولكي اوفي على الاقل تكفير جزئي لضميري، رحت استعمل جميع الوسائط لكي افرق بينك وبين خليلتك ومن حسن الحظ كان معي قليل من المال كنت قد ورثته، فاعطيته لها واقتنعت هي بذلك و...
فقاطعت المضيف بجدة وصرامة قائلاً: اذاً انت هو الرجل الذي قطع الصلة بيني وبين من كنت اشتهي. انت هو سبب ذلك الكتاب المؤثر الذي بعثت به الي: كتاب الوداع حيث اودعت كل ما في حوزتها من حيل ودهاء لكي تنتهي وتقول لقد نسيت حبك فاليك عني!؟...
- اجل! انا هذا الرجل. ولكن اصغ الي. لقد اردت ان احظى بالمال على السلام المرجو ولكنني كنت على خطأ. فلم تزل الافكار الشريرة تلاحقني. فاخفيت نفسي في شغلي ولكن القدر كان يأبى علي السلام... وهكذا مضت سنة كاملة وجاء عيد رأس السنة الجديدة. كنت جالساً بقربها على هذا المقعد مرة ولكنك في هذه المرة كنت في البيت نائماً في الغرفة المجاورة تعبا من ضوضاء النادي كنت جالساً بقربها انظر الى وجهها الشاحب ببراءة، ولكن ذكرى عيد السنة الماضية غرتني وتعذرت علي المقاومة ولم احس الا وراسها على عنقي مرة اخرى، ولم احس الا وانا اقبلها للمرة الثانية... فالتقت نظراتنا وحسبت سراً يلمع في عينيها، فلم اعد قادراً على ضبط نفسي، فخررت عند قدميها واخفيت رأسي الملتهب في جمرها ومكثت كذلك بضع
