بعد ان انتهي من هذه الكلمة الموجزة، وابتعد عن هذا المنبر، لن تسمعوا ولن تروا، الا الجمال والفن!
فلقد اردناها كما سمعتم ليلة فنية صافية، بعيدة حتى عن النظريات الفنية والجمالية، جامعة من صنوف التعبير عن الجمال ما يمكن ان يجمع على مسرح واحد في ساعة واحدة.
فامامكم صورة منوعة لفنانين لبنانيين، لكل منها شخصيته الخاصة الممتازة وطابعه الخاص، ولكنها يلتقيان على الجمع بين سلامة الذوق الشرقي وثقافة الذوق الغربي، في سعي انساني لخلق الجمال عن طريق الانوار والالوان.
وسوف تسمعون اقصوصة ابي مؤلفها الاديب الكبير الا ان تكوّن عالماً من العاطفة والفكر، تبرز جمالاته وحدة فنية كاملة، في سياق حلو انيق عميق.
ثم تسمعون طرفة غنائية موسيقية، ان كانت هزيلة فيما وضعته لها من كلمات، فلقد اكسبها خالق الحانها الموسيقي العالمي صفة الخلود، وزادها اشراقاً صوت من
غير هذه الدنيا، يغنيها فينقلها من نشيد الارض الى نشيد السماء.
ثم تسمعون جزءاً من قصيدة ملحمية لشاعر فائق الالهام، اقل ما يقال فيه انه عالمي الخلق، يعرف كيف يحس حتى بعقله، وكيف يفكر حتى باحساسه.
ثم تصغون الى لحن من اغانينا الشعبية التي نحبها، حوره للاحسن اخو ذوق يعرف مواطن الجمال الكامن في الحاننا، وغناه صوت ملائكي ما تعود الانشاد الا من اجل الجمال.
ثم تسمعون مقاطع شعر من لغة
الحياة، عرف صاحبها كيف يجمع بين بساطة تعبيرها وغنى احساسها، فانت شعراً لو لم يكن صاحبه اخي لقلت عنه الكثير.
ثم تسمعون في اختتام قطعة من الموسيقى الكلاسيكية يعزفها اثنان من المثقفين الموهوبين الهواة، الذين يتطلعون الى كنوز الغرب بتواضع وحب واحترام وادراك.
هذه ليلتنا ايها السيدات والسادة، وهي كما ترون موجزة شاملة، وانه لمن دواعي غبطتي ان اتقدم بالشكر من الاوانس والاساتذة الملهمين الذين تفضلوا وساهموا في اعدادها، كما ارحب بكم نخبة تلتف حولنا الليلة على اسم الفن.
رشدي معلوف
اذا كان للفن في تجسده مظاهر عديدة تنحصر في الغناء والموسيقى والشعر والقصة والتصوير فان كلية البنات قد سبقت الكل الى الجمع بين هذه العناصر في ليلة واحدة. فقد اقيمت مساء ٢٦ اذار ليلة راقية لم نستطع الا ان ندعوها (ليلة فن).
فافتتحت الحفلة الانسة ماري صبري بنظرة على المحاضرات التي اقيمت هذه السنة في المدرسة ثم القت كلمة خاصة عن هذه الليلة التي تختتم بها المدرسة حلقة المحاضرات والدراسات.
ثم عرف الاستاذ رشدي معلوف عن القيم الفنية للمواد التي ستعرض الليلة مع بعض الشرح عن كل جزء منها وعن المواطن التي يكمن فيه الجمال.
ورفع الستار على مجموعة من اللوحات الفنية الراقية عرضها الفنان قيصر الجميل ومصطفى فروخ.
وابتدأت الحفلة باغنية «امنا الارض» من نظم الاستاذ رشدي معلوف وغناء الفنانة بديعة اشقر وتلحين الفنان العالمي وديع صبرا الذي رافق المغنية على البيانو.
ولما جاء دور الشعر القى الاستاذ صلاح لبكي مقطعاً من ملحمته «سأم» والقى السيد حلمي معلوف مقاطع رائعة بالغة الذوق والجمال من منظوماته الزجلية وقد لاقت هذه المقاطع استحساناً عاماً لدى الحاضرين.
وفي حقل الموسيقى عزف السيدان ريمون كرم وسليم بتلوني مقطوعة رائعة لابي الموسيقى الغربية (باخ). والقى الاستاذ خليل تقي الدين قصتين: حواء و«امنا الارض».
وقد كان الحضور نخبة راقية من سكان العاصمة محافظين بذلك على المحيط الذي اعتادته كلية البنات التي تساهم الى حد بعيد في البناء الثقافي العام في نهضتنا الحديثة التي تشعر بلادنا في صميمها انها بحاجة اليها...