في الادب الصيني القديم ان الرسام لاور كنغ لما شعر بدنو اجله دعا تلامذته اليه ليمتع بمرآهم وينعم عليهم ببركته الاخيرة ويودعهم قبل قيامه بتلك السفرة التي لا روية لاحد بعدها
توافد التلامذة عليه فوجدوه في حجرته جالساً الى منضدته رغم انه اصبح لا يملك من القوة ما يمكنه من حمل الريشة فالحوا عليه ان يعود الى فراشه التماساً للراحة فبز رأسه اباء وقال لا اجد من ندحة وهذي الاصباغ والريش رفيقاتي مدى دهري كله ان اكون بينها ساعة ارتحالي عنها.
جثا التلامذة امامه يتوقعون سماع ما يريد بثه فيهم ولكن كثيرين منهم لم يقدروا ان يضبطوا انفسهم من شدة الحزن فبكوا وانتحبوا فنظر اليهم لاو كنغ في دهشة وقال: مالي اراكم تسفحون الدموع بدلا من الابتهاج والفرح بهذه المأدبة التي دعوتكم اليها لتساهموا في امتع ما ينعم به الانسان في هذه الحياة
ثم ابتسم في وجوههم. فجفف تلامذته دموعهم باسورة اكمامهم الحريرية الطويلة وتكلم احدهم فقال:
ايها المعلم المحبوب اصفح عن ضعفنا نحن لم نبك الان لان قلوبنا مفعمة من الكآبة بسبب ما نرى من ضآلة قسمتك من نعم هذه الحياة. لا زوجة لك لتبكيك ولا بنون ليحملوك الى القبر يقدموا الى الآلهة هدايا عن روحك. قضيت كل ايام حياتك دائباً على العمل والعبودية له من ساعة طلوع الفجر الى ما بعد الغروب
بينما نجد اصغر الصرافين في اسواقنا السوداء شأناً قد جمع من الثروة فوق ما قدرت على كسبه، لقد اعطيت البشر من الهبات بملء يديك وقد قبلوا منك ما وهبت ولكن دون ان يأبهوا لعوزك او يفكروا في ضرورة سد حاجتك فهل رحمتك الالهة؟ نحن الاولى سنقتفي اثر خطواتك بعد ارتحالك عنا نحب ان نلقي عليك سؤالاً واحداً وهو هل يستحق بلوغك ذروة الفن كل هذه التضحيات العظيمة منك؟
يرفع هنا الشيخ رأسه ببطء فيسطع في وجهه بريق كذاك الذي يلتمع في وجه المحارب ساعة يفوز باكبر انتصاراته ثم يقول:
اجل ان تضحيتي اكثر من قيمتها من الجزاء فلقد كوفئت عليها باكثر مما كنت اتوقع. قلت الحق يا هذا ان لا زوجة لي ولا ولد، فضلاً عن ذلك ان اكثر ايامي صرفت بالجوع وانا اليوم اكاد اشرف على المئة من السنين وانه لولا كرم بعض الاصدقاء لم يكن لي من مأوى ولا كساء. ذلك لاني ابعدت عن خاطري كل امل لي بالكسب كيما امكن من تكريس نفسي لفني وحده وكيف لا اشيح بوجهي عن حب التملك والاقتناء وانا اكره الناس للرد على الاحتيال بالاحتيال وعلى الطمع بالطمع. واني في تلبيتي نداء القلب، ذلك الصوت الخفي الذي امرني ان اسير في طريقي منفرداً قد ظفرت باسمى غرض يطمح اليه الانسان في هذه الحياة
عند هذا اجاب كبير التلامذة ايها المعلم المحبوب، هل لك ان تجعل بركة وداعك لنا تفسير ما اسميته «اسمى غرض يطمح اليه الانسان في هذه الحياة»
هنا تشرق عينا الاستاذ بنور غريب ثم ينهض من مجلسه ويمشي بخطوات وئيدة مرتعشة نحو جدار علق اليه احب رسومه الى نفسه يمثل نصلاً من العشب سجلته ضربات ريشته القوية باصباغه الصارخة الناطقة بالحياة. الا ان صورة هذا النصل كانت آية من آيات الوحي فالعشب فيها يتمثل حباً يكاد يتنفس. انه لم يكن رسماً للعشب فحسب بل اشتمل في طواياه على الروح التي اشتمل عليها كل عشب مثله نما على وجه الارض منذ بداية الخليقة
قال الاستاذ مشيراً الى الرسم: دونك جوابي على سؤالك. لقد جعلت نفسي في خلقي لهذا الرسم مساوياً للالهة لاني انا ايضاً مثلهم قدرت على لمس هدب الخلود وهنا بارك تلامذته فحملوه الى فراشه فاسلم الروح
وانا ايضاً احب في الموسيقى ما يشتمل على مثل تلك الروح التي قدر بها لاو كنغ ان يلمس هدب الخلود. افضل للانسان ان يقضي حياته ولو في خلق اتفه الاشياء على ان يعيش دون ان ينزو في قلبه شوق الى الابداع
كل نابغة فنان ممن ادخرت المتاحف رسومهم او غرر آثارهم وكلهم من عباد الجمال نظموا فيه قصائدهم ونحتوا له تماثيلهم وغنوه الحانهم واجادوا في رقصاتهم له كانوا يعبرونه تعبيراً جميلاً عن شعور
