
صادق بكل ما يختلج في قلب الحياة من افراح وآلام
احب من الموسيقى ما امتثل فيه الرؤى ولا رؤى الا حيث يحسن الاداء ، اصغي الى نغمات البيانو ، تلك الالة القوية الناعمة التي لم يمض على اختراعها الا نحو من قرنين ونصف القرن فأحسب شلال نبع الصفا يتدفق امام عيني ، او مياه الفيجة تتدفق على منعطفات بردى بين الخمائل والرياض او زبد الامواج ينهال على الشواطئ الصخرية بالصفعات
اما في الربابة واخواتها فتتمثل لي البلابل تتنادى على اشجار الغوطة وهي متشحة بلباسها الربيعي الموشى بالزهر الابيض تميد به على بساطها الاخضر الرطيب او هتفات الحمائم على الناي وزمرته ، او رشات المطر على بحيرات دمشق المرمرية كما يتمثل لي حفيف الارز في سفوح فم الميزاب على قانون محمد عطيه هذا ان انا غضضت بصري عن رفيف اجنحة على ابواب المغاور والكهوف
كذلك هنريخ هاين الشاعر الالماني فقد صور اثر استماعه الى عزف احد كبار اللاعبين على الكمنجة اربعة مشاهد قصصية عدت من روائع النثريات والبيان
اجل احب من الموسيقى ما يخاطب منا الارواح لا ذلك النوع الذي تغشى منه النفوس لما يفصح عنه من الميوعة والاعجاب بالنفس
ولكني لا اجد هذه الروح الصادقة الا في الانشاد الديني او التشبيب بالطبيعة والجمال . فالقصائد النبوية والموشحات القديمة هي عندي خير ما استمع اليه في الراديو العربي على الاطلاق لما فيها من حسن الاداء وسمو التعبير والعاطفة الحارة وشائق اللفظ والمعنى
ذلك لان فرق المنشدين الدينيين يحسن اختيار اصواتهم وهم عادة من المشايخ والشمامسة واكثرهم يشرك بصوته صوت قلبه . كذلك الموشحات فانها خالدة على قدامة عهدها لما تذكرنا به من الامجاد ايام العروبة في اندلس وبغداد ولان عبادة الجمال فيها حارة صادقة لا تقليد فيها ولا تكليف
قالت احدى الفتيات الاسرائيليات في دمشق : لا يقرع ناقوس كاتدرائية الارثوذكس مرة يدعو الناس الى مأتم الا دقت في قلبي نواقيس الفرح فاسألها لماذا قالت لاستمع الى صوت الشماس فلان يسير وراء الجنازة منشداً مرتلاً ...
لقد قيل في تعريف الفن الشيء الكثير وعندي ان احسن تعريف له انه اتقان الصنعة وشيء آخر . فما هو هذا الشيء الآخر ؟
انه الروح تخفق في حنايا كل قلب وقد اطلق عليها بتهوفن اسم النار
قال بعضهم من يكتب او ينظم او يغني في غير ان يكون مدفوعاً الى ذلك بالنار في داخله اي بدون ان يكون شاعراً بالاحساس الذي يصف فخير له الا يقول شيئاً او يكون قوله او غناؤه مصطنعاً زائفاً
اما مناجاة الليل في مطلع الموال فقلما احتملها لان النداء بيا ليل لا تمثل لي الا حادي الابل الساري في الصحراء يقطع قلبه ألم الفراق ويعلل جوعه وظمأه بقرب طلوع الفجر ولنا في السيارة والطيارة اليوم غنى عن الابل وما يصاحب اسفارها من بؤس ومشاق واهوال
اجل احب من الموسيقى ما احب في غيرها من الفنون وهو اختيار المطبوعين على الفن
قال معبد : كنت غلاماً مملوكاً لآل قطن مولى بني مخزوم وكانوا تجاراً اعالج لهم التجارة في ذلك فآتي صخرة بالحرة ملقاة بالليل فاستند إليها فأسمع وانا نائم صوتاً يجري في مسامعي فأقوم من النوم فأحكيه .
ورغم ان للسلطان سليم الاول الفضل في جمع الانغام الشرقية وذلك بدعوته المغنين من كل قطر استولت عليه تركيا فضلاً عن العجم والكرد فان اكثر الانغام التركية عندي عبارة عن نواح او رقص .
قال احد اسرى الانكليز بتركيا في الحرب العالمية الاولى انه كان ماراً في احد شوارع الاستانة مرة فسمع عزفاً على ربابة حسب معه ان مصدره امة جاثية على ركبتيها . ولو انه سمع اليوم الموسيقى التركية لغير رأيه فيها
وما يزيد في تشويه غنائنا الحديث ان سائر افراد الفرقة الثانويين هم على الغالب من غير ذوي الحس والشعور والصوت الحسن ويخيل الي حين استمع اليهم على كوني احب هذا النوع من الانشاد المشترك اني انما اصغي الى اصوات المتظاهرين احتجاجاً على الاستعمار الفرنسي او الصهيوني
اقول هذا رغم علمي ان اللحن ديموقراطي يحق لكل من يشاء ان يغنيه وان يحمله معه اينما ذهب
اما الرؤى التي امتلها في معظم اغانينا الحاضرة فلا تزيد عن حركة اقدام الراقصات واذرعهن العارية وارتجاجات اكفالهن وملامح وجوههن غير المحتشمة على الغالب فلئن ظلت موسيقانا تقليداً للأنين او الرقص الفاتر لم تخلق فيها جديداً هذا مع العلم ان الفن والشخصية واحد لقد غلب فن الغناء فن السينما والرسم