فوق كنف القلمون قريباً من البحر، وتحت سفح ظهر القضيب بعيداً عن الثلج ، وعلى انطلاقة طائر الى الفيحاء وتنكة بنزين الى العاصمة... تقوم «دده» احدى القرى في الكورة الخضراء !..
والدديون الذين يتلقون عند كل شروق قبلة الشمس الاولى باسمين، يحملون الشمس عند كل غروب دموعاً واشواقاً الى اولئك الذين وقفوا بالامس على «بيادر اللوز» الفاً ، وقفزوا من على ذلك المطل على البحر ، فحملهم الموج المتدافع الى العالم الجديد ، كما حمل جدودهم من زمان الى عوالم جديدة !.. غير ان اولئك عادوا يعمرون لبنانهم ، وهؤلاء استقروا في الغربة يبنون لهم لبنان على كل شط !..
***
تعال الى السيارة الان ، فليس في طرابلس سواها سيارة تمر اليوم بدده... وها هو السائق يستحث « المحرك » الذي نام طول النهار ، بالانتظار !...
هذه الطرق التي نطويها صعداً ، شقها الدديون بأيديهم ، سبيلاً هيناً للذين هانت لهم الحياة.. وكثيرون هم الذين يجتازونها على الاقدام او يختصرونها بين الجبال والوديان !...
وهذه الاشجار التي تواكبك ، زيتوناً ولوزاً وعنباً وتيناً ، ترحب بمقدمك !.. وهذا الدير عن يمينك ، يقول لك : اهلاً وسهلاً ، لقد وصلت !..
انت غريب ، والغريب في القرية اللبنانية ، ضيف القرية كلها ، فاين تنزل ؟..
لا تتردد ، سر تواً الى دار الامارة الايوبية... لا تنتظر ان يدعوك ددي الى بيته او كوخه قبل ان تحط حقيبة السفر لدى الامير حسين وارث الكرم والكرامة عن جده الايوبي الاول صلاح الدين !...
هذا مدخل الدار الكبرى... ممر مرصوف ، عن جانبيه جنان وطير وحيوان... لا يخف من الكلب «غضب» فهو يعرف من هندامك انك زائر اديب !.. وهؤلاء الذين يستقبلونك على الباب ، رجال في خدمة الامير يعملون مطمئنين الى سيدهم وانسانيته السمحاء...
وهاتان السيدة والانسة اللتان تصافحانك بالترحاب ، امرأة الامير وبنته.. تسألهما عن رب الدار، فتجيبانك انه يشرف على الغرس والزرع والبهم والضرع ويرشد العمال والفلاحين ويتفقد الاهل والمواطنين.. وتعتذر الام لتنصرف الى شؤون الدار مع من لديها من الخادمات... وتتولى الانسة ايلدا ، او هالة - كما تود ان تدعى - مبادلتك الحديث في كل عتيق او حديث ، فتشعر رأساً انك حيال فتاة نبيلة رفيعة التهذيب ملمة باطراف حلقات الثقافة والاجتماع والسياسة، تفهمك وتفهمها ، وتنسى انك حيال عذراء على وفرة من الاناقة والوسامة والدلال ، تصرفك من سحر عينيها الى سحر لفظها وعن جمال طلعتها الى جمال فكرها وعن تناسق قامتها الى تناسق عبارتها !..
وتبرد القهوة في الفنجان ، فيما انت تصغي لحديث الاميرة الصبية التي اعادتك بالخاطر الى احدى صبايا بيروت الرائعات خلقاً وخُلقاً... وتظل القهوة بانتظار شفتيك ، حتى تنبهك اليها « سيجارة اميركية » تقدمها لك يد الحسناء وليدة اميركا وربيبة لبنان !..
وفيما انت ترتشف القهوة معجباً بلسان بنت ثمانية عشر ، تكلمك العربية الفصحى او الانكليزية او الاسبنيولية او الافرنسية ، يطل والدها الامير ، رجلاً عليه من السن مهابه ومن العمل اهابه ، وفي وجهه من كتابات العمر وقراءاته ما يغنيه عن الكتابة والقراءة... ويجلس ازاءك مرحباً بقلبه ولسانه كريماً بطبعه وقراه نيراً بسؤاله وجوابه !..
ولا تعتم الدار ، حتى تفتح ذراعيها ، بعد العشاء ، لتضم حلقات من الرجال والشبان ، اموها للترحاب بك ولاحياء ليلة ساهرة على شرفك ، يغنيك فيها الشعر ، فصيحاً بدائياً ، او زجلاً متفوقاً ، في صوت رخيم من حناجر مرنة ، فما ان تسمع المغني يقول غزلاً :
« والنحل عاف الورود
وحوّم على شفافك »
حتى تذكر المقطوعة الاخيرة لشاعرنا الاخطل الصغير وتذكر اروع ما فيها :
« والفراشات ملت الزهر لما
حدثتها الانسام عن شفتيك »
ويفصل بين الاغرودة والاغرودة ، سحر ، تتراءى لك الحياة في صميمه ، وتسمع فيه كهلاً يحدثك عن المدن والقرى ، فتذكر ما قاله المنفلوطي اديب مصر الكبير الراحل في هذا الموضوع ، ولا تجد كبير فرق في المعنى !..
***
وتدعى لزيارة المدرسة الليلية التي
