لا شك اننا سمعنا عن قصة اكتشاف البنسلين - تلك القصة الخيالية التي دلتنا على كيف ان عفناً صغيراً دخل خلال نافذة مفتوحة الى مستشفى سانت ماري في بادينكتون بلندن - واستقر على وعاء اثبات كان البروفسور الكسندر فليمنغ يجري عليه بعض تجارب اثبات البكتريا المسماة « ستافلو كوكاس » وكيف لاحظ فليمنغ ان هناك جسما غريباً يتكون في الوعاء واستدل بذلك على انه اما ان يكون العفن يقتل البكتريا السامة واما انه يمنع نموها
والآن سأتحدث اليكم عن الخدمات التي يؤديها البنسلين في انقاذ حياة الجنود الذين يصابون بابلغ الجروح في الميدان ، ومن بين الامراض المميتة التي قضى عليها ذلك الدواء السحري التسمم « الغنغرينا » التي تصيب الجرحى في الميدان .
كنت أقوم بزيارة لاحدى مستشفيات الحلفاء وتحدثت الى بعض الجنود الذين مزقت القنابل اجسادهم وشوهتهم رصاصات المدافع الرشاشة في نورمانديا وقد رجعوا الى بريطانيا بعد ان انقذ البنسلين حياتهم من الموت
ويشتمل المستشفى على بعض الاكواخ والخيام تتخللها طرقات مستوية وتحوطها حقول القمح الذهبي . ويقع المستشفى وسط سياج من النباتات الكثيفة وتتخلل اليه مع الهواء رائحة الحشائش والازهار البرية التي هي من مميزات القرية . وفي تلك القرى الانكليزية يجد هؤلاء الجنود النورمنديون الذين حطمتهم الحرب الراحة والطمأنينة .
وفي احدى تلك الاكواخ قابلت جنديا يرقد على ظهره - وعلمت منه انه كان يقوم بمهمة الاستطلاع في نورمانديا عندما اصابته رصاصات احد المدافع الرشاشة النازية - فاخترقت احداها احشاءه واخترقت أخرى رئته واستقرت ثالثة في ذراعه ورابعة في رجله . واطلعني الطبيب المختص الذي كان يقودني على التقارير الطبية المفصلة التي كانت تصف حالته . فعندما عثر عليه في الميدان كان صدره مغطى بالدماء وكانت امعاؤه تكاد تكون ظاهرة من ثقب كبير أصاب بطنه وكانت حالته سيئة للغاية .
عثر عليه في تلك الحالة في الثانية والدقيقة الاربعين بعد الظهر فاسعف بان نقل اليه بعض الدم - وفي الثانية عشرة والنصف بعد منتصف الليل اعطي اربعين الف وحدة اخرى - وفي الخامسة صباحاً اعطي عشرين الف وحدة من البنسلين وفي الثانية صباحاً اعطي تسعين الف وحدة . ونقل بالطائرة الى بريطانيا وما زال يعطى بنسلين .
وتحدثت الى ذلك الشاب فوجدته مستبشراً باسماً وحدثني طويلا عن بلدته وزوجه . واخبرني كيف اصيب بجميع تلك الجراح فقال : انك لا تستطيع رؤية مدافع الالمان الرشاشة - فاني كنت ارى رفاقي يسقطون الى الارض وقد فارقوا الحياة وفجأة اصابتني تلك الرصاصات وسقطت على الارض وبقيت ملقى عليها الى ان وجدني من كانوا يتبعون وبعد ان حملت على النقالة فقدت الذاكرة ولا اعلم ماذا حدث لي بعد ذلك . ثم ابتسم
الي ثانية وقال : ان ذلك البنسلين رائع فانه يقتل جميع السموم ويمنعها من الفتك بالانسان - لقد انقذ حياتي واعتقد اني سأشفى بعد اشهر قلائل .
وتحدثت الى آخر اصابته قنبلة بالقرب من سانت لو - وهو يعتقد انها صادرة من مدفع عيار ٨٨ مليمتراً . واصابت شظية منها رجله اليسرى في فخذه وفي مفصل ركبته . وبينما كان يحدثني عنها مد يده محاولا الامساك بعكاز خشبي كان معلقا الى جانبه وحاول ان يقف معتمداً عليه ولكنه ترنح وفشل ثم قال لي « اعطني ذلك الجراب » وكان جرابا صغيراً يحتفظ فيه باشيائه الخاصة . واخرج منه قطعة من المعدن الاسود وقال : هذه قطعة من القنبلة التي اصابتني واستقرت في لحمي وعظامي . اصابته تلك القنبلة وهو في احد الخنادق فارسل فوراً الى بريطانيا بالطائرة وكان يعالج بالبنسلين في اثناء الطريق .
وقد قال لي طبيب المعسكر انه لولا ذلك الدواء العجيب لساءت احوال المرضى وتعقدت - فهو يبطئ الحرارة ويمنع الجروح من الافراج ويقتل الجراثيم . وتحدث ايضاً عن « ساعات الجراح الذهبية » وهي الساعات الست الاولى التي كانت تعقب الاصابة بجرح قبل اكتشاف البنسلين . فان لم يقم الجراح فيها بشيء يجعل التئامها سهلا في تلك الساعات اصبح ذلك متعذراً فيها بعد .
وباكتشاف البنسلين امتدت تلك الساعات الذهبية من ست ساعات الى يومين او ثلاثة ايام .
وشاهدت الحقن بالبنسلين وهي عملية بسيطة للغاية يقوم بها الممرضون لمساعدة الاطباء فيؤتى بالبنسلين في قارورة صغيرة
