نواصل نشر هذه التعليقات التوجيهية التي تذاع من محطة الاذاعة اللبنانية في الخامسة والنصف من مساء كل اربعاء .
احاول احياناً ان اعود الى انواع الموسيقى التي تشرح الفرق الاساسي بين موسيقانا التي نحبها ، وموسيقى الغرب ، علنا نستطيع ، بعد ان ندرك هذا الفرق ادراكاً كاملاً ، ان نبني على الحاننا الشجية الحلوة قطعاً موسيقية ، فيها من التوازن والتأليف ، والتقاء الاصوات المصطحبة ، وفيها من التفكير والايحاء السامي القوي ، ما في تلك الموسيقى ، فنخطو الخطوة التي لا بد لنا ان نخطوها ، محافظين على طابعنا الذي يمثل اعمق تمثيل خصائص نفسيتنا ، والذي ، اذا استطعنا ابرازه بالطريقة المثلى ، تتجلى فيه قدرتنا العقلية وروحانيتنا وفضائلنا ، وجمالاتنا ، ان لم تكن تماماً كما هي في الواقع ، فكما يمكن ويجب ان تكون .
ولقد كنت فيما مضى كثيراً ما اختار قطعاً غربية تجمعها بموسيقانا صلة الميلوديا كشهرزاد لرمسكي كورساكوف ، واوبرا عائدة لفردي ، اما الليلة فقد اخترت قطعة لا تربطنا بها ميلوديا او جو ، كما انها لا تتضمن قصة او وصفاً لشيء ، وانما هي من نوع الموسيقى الصافية التي يظهر فيها جمال التأليف واصطحاب الأصوات ، وهي من موسيقى الغرب في مطلع نهضتها كما تتمثل في عبقرية ابيها ومؤسسها باخ ، الذي ملأت حياته النصف الاول من القرن الثامن عشر وخطت الموسيقى الغربية على يديه تلك الخطوة التي طالما تمنيناها لموسيقانا . وذلك بما اعطي من قوة فذة على التأليف ، ليس
بين الأصوات فحسب ، بل بين الاتجاهات الفنية المتشابهة المتناقضة التي كانت تميز بيئة على بيئة وعصراً على عصر ، حتى كاد يختص بكل العصور ويلخص جميع الاساليب . فهو الرومانتيكي الكلاسيكي وهو المحافظ المجدد ، وهو المقيد المتحرر ، ولا غرو فقد جمع الى عين المصور وعقل الشاعر وروحه ، عاطفة من ارق العواطف الانسانية ، واحساساً كأرهف ما يكون الاحساس ، دون ان ينتقص ذلك من توازنه الذي عرف كيف يضبط القواعد ويحافظ على الاستمرار . فالحالات الوصفية المختلفة من ضحك وضوضاء ورعب ، او من رياح وامواج وغيوم ورعد ، او مما هو اعمق في الطبيعة وفي النفس لها رموزها الثابتة عند باخ ، ولكنها تتغير في التأليف تأييداً لما اشتهر به من انه يستطيع ان يكوّن القطع الغنية جداً من الميلوديا الشعبية البسيطة .
ولقد امتاز باخ بصورة خاصة بالارغن وبالتأليف له او لما يشبهه من الالات ، الا اننا ، مراعاة لقاعدة التدرج في هذا البرنامج ، سوف نقدم له هذا المساء قطعة للكمنجة ، والبيانو .
تلعب الميلوديا في الجزء الاول منها على خيط او وتر واحد من اولها الى آخرها في موجات تكاد تكون متساوية متوازية الطول والشكل والعلو والهبوط وحول تلك الميلوديا الواضحة تسمع وقع الأصوات المصاحبة ، وهذا ما يسهل علينا ملاحقة الميلوديا من جهة ، ويساعدنا على فهم اهمية باخ في التأليف حول الميلوديا ،
وفي تعدد الأصوات من جهة ثانية . ومع ان هذه الطريقة التي يتبعها باخ بسيطة في الظاهر فهي تمثل في الواقع اعلى مراتب التأليف . والجزء الثاني منها ، وهو متصل بالاول ممزوج فيه ، لا يختلف في جوه اختلافاً أساسياً عن الجزء الاول فنحن نتصور في كليهما انيقاً يختال مشية الطاووس ، يزهو ، او حسناء جميلة القد تتأيل في عرس الضيعة رقصة المحرمة الانيقة على موجات موازنة متناسقة لا هي بالمتقاصرة ولا بالمتطاولة كما نستطيع من ناحية ثانية ان نحس ان باخ ، على كونه اجرأ من تفلت من تقاليد الموسيقى الكنسية الجامدة ، لم يحرمنا طابع الخشوع والروعة في موسيقاه ، ولو مهما تنوعت مواضيعها .
اقدم هذا المساء مقاطع من الميساسوليمنس لبتهوفن ، بمناسبة اعطائها مساء غد في الجامعة الاميركية ، من قبل الاكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة . وهذه الطرفة تعد اكمل ما انتجه الانسان في حقل النتاج الانساني ! فهي اعظم طرفة لاكبر عبقري .. ولقد انجزها بتهوفن في السنة نفسها التي انجز فيها السيمفونيا التاسعة ، فكانت تلك السنة ، بحق ، عروسة سنوات الانسانية .
وعندما انهاها ، قال انها اتم ما انتج ، وكتب عليها بخط يده : « من القلب والى القلب » وما زالت منذ ذلك الوقت الى اليوم تسرح في قلب الانسانية العميق ، ومن دونها كل شيء آخر انتجه مخلوق بشري ! ومع ان بتهوفن كان حراً في تأليفها ، غير مقيد بسوى تأملاته الخاصة وتفسيراته الشخصية لكل ما في الاناجيل ، فالطرفة
