
لا نبالغ إذ قلنا إننا نفخر بالدكتور فيليب حتّي ومساعيه في سبيل القضية العربية وإيضاحها للرأي العام الغربي. على أننا ينبغي أن لا نتناسى تلك التي تمدّ له، من وراء الستار، يد المساعدة: أعني بها عقيلته الفاضلة السيدة ماري.
قابلتها للمرة الأولى، وكأنني عرفتها من قبل، فراحت تحدّثني بحماس وإيمان عن رسالة زوجها نحو بلاده، وعن شعورها فقالت:
«مع أنني ولدت وعشت كل حياتي في أميركا، فإنني أشعر بحنين إلى هذه البلاد. نعم لقد زرتها مرتين، الأولى منذ ثلاث وعشرين سنة، والثانية اليوم. وتريني أنظر بهجة إلى كل ما حولي وأنا فخورة باستقلال هذا البلد الصغير.
ولكن اسمحي لي بالقول إن بلادنا بحاجة إلى مجهود جبار للقضاء على علائم الفوضى التي ألمسها وأراها هنا. لقد قضيت البارحة ساعتين في دار البريد ليتسنى لي إنهاء معاملة وضع رسالة في البريد الخارجي. فكانت الفوضى والزحام على أشد ما تتصورين. ليتك كنت في أميركا حيث ترين النظام سائداً والوقت من ذهب، ولا سبيل للانتظار الطويل العقيم.
ولم أسمع في حياتي حوادث إطلاق الرصاص كالتي سمعتها هذا الأسبوع في البلد. فعلاً لقد ضاهيتم شيكاغو، فكلٌّ يحمل مسدسه ويستعمله عندما يريد، حتى أن سائق السيارة التي أقلتنا إلى الجبل، أشهر مسدسه على رجل لأنه لم يجد له طريق سيارته.»
وكان لا بد لي من الخوض معها في الحديث التقليدي: «المرأة». وكان وصفها لحياتها الخاصة في البيت خير جواب وعبرة لنسائنا.
قالت: «لن يرتفع مستوى البلاد، إذا لم يرتفع مستوى المرأة. وتريني أساهم بنصيبي من
هذه الناحية كواجب حق عليّ. فأنا أهتم بالبيت وكذلك أدير مركز سكرتير لزوجي فأساعده على جمع معلوماته وكتابتها له، وفي سني الحرب ساهمت في الدفاع السلبي، فكنت أعمل في أحد المستشفيات. ولا أدري كيف باستطاعة نسائكم قضية الوقت في الزيارات والتحدث عن الأزياء وغيرها.»
وهنا ضحكت، لأنها والحمد لله لم تتعرف بعد على معظم سيداتنا، حيث الاستقبال ولعب الورق والتحدث عن جوارب «النيلون»، يؤلف جزءاً أساسياً من حياتهن.
وهنا استطردت قائلة: «على كلٍّ هذا القول ينطبق على الرجال عندكم أيضاً. والفرق أن المرأة تتحدث عن الأزياء، بينما الرجل يمضي وقته بالتحدث عن السياسة. وأما العمل فهو على الله !!...»
وعندما سألتها عن أولادها، برق وجهها بشعاع الأمومة قائلة: «لي فتاة واحدة في الخامسة والعشرين من عمرها. وقد أنهت دراساتها العالية، وهي الآن مخطوبة إلى شاب أميركي، ولكنه يتقن العربية جيدا (على الطريقة الأميركية)! وقد ساهمت ابنتي في المجهود الحربي الأميركي إذ اشتغلت في المستشفيات. وكانت تود القدوم معي، لأنها تجهل هذه البلاد وستزوركم قريباً.»
وعندما قلت لها «أفهم من كلامك بأنك ستبقين في البلاد مع الدكتور حتّي» أجابت: «إني متيقنة بأن زوجي يستطيع خدمة بلاده في الخارج على أحسن وجه، فالبلاد بحاجة إلى من يوضح رسالتها عند الغير. ولا أنكر عليك بأنني أميركية القالب، لهذا أنا أفضل السكنى في أميركا حيث أتابع المساهمة بمساعدة زوجي في سبيل القضية العربية.»
وهنا اقترب منا الدكتور حتّي، فاستدرجته إلى مشاركتنا الحديث، وبادرته بالسؤال أو بالأحرى بالشكوى التالية: ما العمل يا دكتور حتّي لكي تتوصل المرأة عندنا إلى
مستوى المرأة الأميركية التي تعرفها جيدا. فأجابني بهدوء. «لا تكوني متشائمة يا ابنتي، فنحن لسنا بحاجة إلى وضع المرأة الأميركية كمقياس لتقدمنا. يجب أن تتقدم المرأة العربية حسب تقاليدنا وتطورنا، ولنا بتراثنا العربي خير دليل نسترشد به.
تأكدي بأني لمست تقدماً كبيرا عند المرأة هنا في زيارتي هذه المرة. فمنذ ثلاث وعشرين سنة زرت هذه البلاد، ولم ألمح في زيارتي سيدة واحدة أتت لتستقبلني. ولا زلت أذكر أنني كنت أعرف الآنسة ابتهاج قدوره. ولكني لم أر وجهها إلا اليوم حين قدمت لزيارتي سافرة. وقدومك أنت يا ابنتي خير دليل على قولي، لأنها المرة الأولى التي أجتمع وأتحدث فيها مع فتاة عربية دون أن تكون خائفة أن يراها أحد مع رجل ليس بخالها أو عمّها !!
على أنني أطلب تقدم أسرع لسيداتنا. يجب أن يبدين اهتماما ونشاطا أوسع بتنظيم حقوقهن. حتى الآن لم أسمع إلا بمقررات دون تنفيذ. خذي المؤتمر النسائي في القاهرة. لقد تابعت أعماله وأنا في أميركا بكل اهتمام. ولا زلت أنتظر تنفيذ مقرراته أو البعض منها حتى الآن.
ويجب أن تتبدى نضتكن من الصميم. فلتتعلم الفتاة، ولا توصدوا الأبواب في وجهها إذا أرادت أكمال علومها العالية سواء هنا أو في الصين !
أنا لا أنكر أن أعظم عمل للفتاة هو الزواج ولكن يجب أن لا تحصر في هذا الأفق الضيق وهي بانتظاره. دعوها وشجعوها على الدرس والاشتغال. عندي ابنة واحدة، وقد تركت لها الحرية في تقرير مستقبلها كما تريد. وكنت دائما أشجعها على إذكاء شخصيتها بنفسها، وأنا متيقن بأنه لو فعلت نساؤنا مع بناتهن كما فعلته أنا لأصبحت النتيجة ولا شك مشجعة في سبيل تحريرها. ولا أظن أن الرجل هو السبب في عدم حصول ذلك بل المرأة نفسها !!
(دنيا)
