موجعة ، دون ان يرتفع بيننا صوت واحد ؟ للرد عليها بالجواب الصريح المقنع ، الذي لا ثالث له ، والذي يتضمن مصدر القوة العليا ، التي تكفل لنا بلوغ الهدف الذي نسعى اليه - هذا المصدر الذي يهيء القوى الكامنة في كل مخلوق حي ، ليدفعها الى معترك الحياة ، ان خيراً فخير ، او شراً فشر : هو صدر الام .
نعم هي انت يا اختي المسؤولة عن هذه الفوضى كلها ، دون ان تدري ، ولماذا .. لانهم لم يشاؤوا ان يعترفوا لك بهذه الحقيقة طيلة الاجيال ، فحرموك حقك من العلم والحرية اللتين تؤهلانك لاستلام الوظيفة العليا التي خلقت لها - لاستلام هذا الطفل عن جدارة واهلية فترضعيه مع اللبن ، تلك المبادئ القيمة التي تكون الشعوب ، وتخلق الرجال ، كالاستقلال الفكري والمحافظة على الوقت ، والاعتراف بالخطأ ، والوفاء بالوعد والجرأة في سبيل الحق ، والثبات في المبدأ وصدق اللهجة ، وهل بغير هذه الصفات ترجى لنا الحياة التي هم يطلبون ...
لا .. لعمري ليس من سبيل للحصول عليها عن غير طريق الامهات ، ها هم زعماؤنا الكرام الذين نفاخر بهم ، وبما اوتوهم من ضروب الشجاعة والاقدام والتضحية ، فكانوا لنا بمنزلة الحدقة من العين ، سلبهم - بدالة الاخوة - ايهم لا يشعر بغصة في اعماق صدره لكوامن الضعف التي تعترض سبيله ، فلا يكاد يتقدم خطوة الى الامام ، حتى يعود خطوات الى الوراء ولماذا ... لا جواب عندي ، او عندك ، سوى ان الام التي احتضنتهم ، وتلك التي احتضنتني ، لم تؤديا وظيفتها من حيث التربية البيتية المنظمة ، فافسدت عليهم جهودهم ، واعمت ابصارنا نحن ، عن ادراك الواجب الذي اذا لم نفه حقه ، خسرنا حق الوصاية على فلذات اكبادنا - فخادمة مأجورة من عامة الشعب تعنى بهم ، هي اولى منا بعطفهم وعطف الامة عليها .
سوف لا يكون هذا معي ومعك يا ابنة بلادي ، بل سنجري المستحيل لنظل هذه العلاقة وهذا الحب ، وهذا الاحترام المتبادل بيننا وبين فلذات اكبادنا ما حيينا .. اننا باذن الله سنتغلب على ما فينا من نقائص وعيوب بفضل ارشاد هذه المؤلفات في التربية التي سنختار الافضل منها لارشادنا في امر تربيتهم ، وجميعنا والحمد الله اصبحنا نحسن القراءة ، اما اذا تعذر علينا ذلك فسوف لا نعجز مهما كلفنا الامر ، لتطهير نفوسنا تدريجياً من العيوب الخلقية والعادات المضرة والالفاظ غير اللائقة لنكون لهم القدوة الصالحة في كل ما نعمل او نقول ، فيشبوا هم على احترامنا وحبنا واحترام نفوسهم ، وهذا منتهى السعادة لنا ولهم .
سوف لا يسهى عن بالنا ساعة واحدة ما للقدوة من التأثير في حياة اولادنا ، فكل شيء يراه الطفل او يسمعه ، او يذوقه ، او يلمسه او يشمه ، يترك في دماغه اثراً اما صالحاً واما سيئاً . ولذلك عندما تعرض له فيما بعد اشياء وامور تشبه الاشياء التي
اعترضت سبيله من قبل ، يتجنبها اذا كانت قد تركت اثراً سيئاً في دماغه ، ويقبل عليها اذا كان اثرها الباقي صالحاً ، وهكذا تبدأ افكاره بالتكون ، والافكار تؤدي الى اعمال وتكرار العمل الواحد مراراً يؤسس عادة مجموع عادات الانسان ، من فكرية ، وكلامية ، وعملية ، يكون شخصيته التي تدير حركاته وسكناته في مستقبل حياته الاجتماعية .
ان طفلك يا اختي هو كالصحيفة البيضاء ، يمكنك ان تكتبي عليها ما تشائين ، هو يقبل الايحاء بكل صنوفه ، يحاكيك في صوتك وحركاتك ، يضحك لما تضحكين ، ويبكي لما تبكين ، ويخاف مما تخافين ، لا لانه يفهم طبيعة الشيء المخيف بل محاكاة لك ، وتشبهاً بك ... فما هي خطتك امامه بعد اليوم .. ان المسؤولية عهد الله عليك بها . « واوفوا بالعهد ان العهد كان مسؤولا » .
فهلا تصممين بعد اليوم ، ان تتفقدي تلك الامكانيات الدقيقة ، والقوى الروحية الكامنة في طفلك ، فتستجلي الغامض منها ، وتتعهدينها بنفس الشوق والرغبة ، تعهدك لمقاطع جسده وعضلاته ... انت ولا شك فاعلة ، وانت العربية الباسلة التي تريد ان تعيد مجد اجدادها الغابر وعظمة اخواتها اللواتي سجل التاريخ اخبارهن ولا يزال صدى اعمالهن يدوي في انحاء هذه البلاد التي لم تمت ولن تموت باذن الله .

