في ١٨ نيسان سنة ١٩٦٦، يبلغ ابني واحداً وعشرين
شهراً من عمره. وانني اذا كتب له، اسجل ما
يفوته، خلال نشوئه، من نفهم وادراك. وعساه يقرأ
ما اعد له من رسائل عندما يسعفه شبابه باستعداد للتفهم
وفضول للمعرفة...
(م. ١)
•
يا بني!
يريد البعض ان يعتقد أن هذه هي المرة الاولى التي خلت فيها ارض وطنك من جنديّ غريب، او دخيل فاتح، او مغتصب مستعمر...
فأود ان اجلو لك الامر، وابين لك الحقيقة، وانت وديعة في ذمتي، تقضي علي الامانة ان اطلعك على الآراء الثاقبة، والحقائق المتواضعة، فتميز بين الجيد والسيء، وتأخذ بالحق معرضاً عن الباطل.
فيا بنيّ
يوم قام سكان بلادك الأوّل بتوسيع آفاق المعرفة، وبتوسيع آفاق الارض، فداروا حول القارة السوداء وقدموا للعالم قارة جديدة،
ويوم كانوا لا ينزلون ارضاً الا ويرفعوا فوقها علم وطنهم،
ويوم قدموا للانسانية مفاتيح النور والمعرفة والهداية،
ويوم اسبغوا على الفن نعمة الجمال، فكشفوا اسرار الالوان،
ويوم فتحوا فتوحهم فاسسوا الممالك، وعمروا البلدان، وانشأوا في التاريخ سجلاً لهم ذهبي الحروف، ماسي الصفحات، ندي العبق والاريج،
في ذلك الحين كانت بلادك يا بني، خالية من كل جندي غريب، او دخيل فاتح، او مغتصب مستعمر!
•
ودار الزمن دورته، فاذا بشعبك يضم الى صدره بني أميّة، ويسكنهم اضلاعه، ويسير معهم الى المجد... فكان ان تسارعت زحوفنا الى مجاهل نهر الكنج، ووهاد التبت، وسهول سيبريا، وقمم البيرنيه، وملاطم امواج الاطلسي، وظلمات غابات افريقيا..
ذلك اليوم، ويوم مخر ارز بلادك عباب اليم، ناشراً شراعا
سخياً يظلل الامواج الصاخبة، وحاملاً الى الجزر الحيرة ضجّة من اجدادك العظام لينثرها بين اقوام فككت عراها الشهوات، وانحرفت دروبهم عن المثل العليا الى السفاسف والتوافه... فاعادوا سيطرة وطنك على البحر الابيض ـ بحره ـ وجعلوا في القلوب رهبة القانون واحترام الحق والعدل، ونظموا المواصلات، وقدموا للحكم تقاليد وانظمة وللادارة اصولاً لا تزال تتبع وتقتبس.
وفي ذلك الحين ايضاً كانت بلادك، يا بني، خالية من كل جندي غريب، او دخيل فاتح، او مغتصب مستعمر...
•
واليوم بعد حوالي القرون السبعة التي كانت امتك العظيمة تتخبط خلالها في مهامه المصالح والغايات، وتتجاذبها رياح القوة والسلطان، ويعبث فيها طغيان السيطرة والعدوان، تنهض بلادك من كبوتها، وانها الكبوة الاخيرة بارادتنا ومشيئتنا، لتعيد للعز سالف عهده، وللحق عزيز مهده، وللاستقلال منبع مجده.
ومع اعتزازي بهذا اليوم، يتحتم علي بحكم واجبي، نحو وطني ونحوك، ان ادعوك لتوجه اهتمامك، غدا عندما تؤهلك مداركك وسنك، للمبادرة الى المساهمة بما يترتب عليك من نصيب كي يبقى هذا اليوم ونتائجه رمزاً لعزة بلادك وحقيقة لمجد وطنك.
واؤمن بان من واجبك ان يكون لك من الاخلاص والحكمة والدراية ما تستطيع معه ان تنذر دمك ورجولتك وفكرك لتعزيز ما يرمز اليه هذا اليوم وتوطيد اركان النور في بلادك العظيمة لتستأنف مساهمتها في المدينة قيمة فعالة..
وان عيني لتقر، وقلبي ليختال حبورا وفرحاً، وعاطفتي ليهجها الابتهاج، الذي يفوق كل ابتهاج، وضميري ليرتاح ويطمئن، عندما اشاهدك، وقد وخطني الشيب، وغمرني وقار السن، تسير في طليعة الجند، رافع الرأس، مسمر النظرات في العلاء، تنتصب رمزاً لفتوة امتك، وتسير بقدمك الثابتة بامتك نحو المجد، مخترقاً ظلام الجهل، حاملا مشعل المعرفة، ناشراً نور الحرية، مرسلًا من يمينك شعاع الفكر، يلمع من نصل سيفك بريق القوة، وتحوط بك هالة من النظام المتناسق البديع، وبين ضلوعك ينبض الدم في قلبك بنضاح الواجب الذي لا يفوتك ولا تنساه.
وفي ظلمات الايام، اذا بقيت لها ظلمات في وطنك، ستتقدم من المخاطر تقدمك من الحياة. فلقد سقط قبلك ابطال اكمل عنهم غيرهم الشوط، وجلّ ما اتمنى ان لا تسقط الا بعد ان تكمل الشوط بنفسك، ويكون من دمك في حقل الوطن رواء لنفسك.
