قال : « ما لها ثمن الا الخلافة » . قال : « تقول هذا لما ترى من رأيي فيها ولتجلب سروري » . قال : « والله يا سيدي اني لاحب سرورك وما قلت لك الا الجد . وبعد فاني رجل تاجر اجمع الدرهم الى الدرهم طلباً للربح ، ولو اعطيتها بعشرة آلاف دينار لاخذتها » . قال عبد الله : « بعشرة آلاف دينار ؟.. »

قال : « نعم » . ولم يكن في ذلك الزمان جارية بعشرة آلاف دينار . فقال عبد الله كالمازح : « انا ابيعكها بعشرة آلاف دينار » . قال : « قد اخذتها » . قال : « هي لك » . قال : « قد وجب البيع » وانصرف العراقي .
فلما اصبح ، لم يشعر عبد الله الا والمال قد وافاه . فقال عبد الله : « بعث العراقي بالمال ؟... » قالوا : « نعم بعشرة آلاف دينار ، وقال هذه ثمن عمارة » . فردها اليه ، وقال : « انما كنت امزح معك وما اعلمك ان مثلي لا يبيع مثلها » قال : « جعلت فداك ، ان الجد والهزل في البيع سواء » . قال : « ويحك لا اعلم موضع جارية تساوي ما بذلت ولو كنت بائعها من احد لآثرتك . ولكني كنت امازحك وما ابيعها بملك الدنيا لحرمتها بي وموقعها من قلبي » . قال العراقي : « فان كنت مازحاً فاني كنت جاداً ، وما اطلعت على ما في نفسك ، وقد ملكت الجارية بالثمن ، وليست تحل لك وما من اخذها بد » فمنعه اياها .
فخرج العراقي وهو يقول : « استحلفك في مجلس امير المؤمنين » . فلما رأى عبد الله الجد منه قال : « بئس الضيف ! ما طرقنا طارق ولا نزل بنا ضيف اعظم بلية علينا منك ، تحلفني فيقول الناس اضطهده وقهره والجأه الى ان استحلفه . اما والله ليعلمن اني سابلي في هذا الامر الصبر وحسن العزائم وجميل العزاء » .
ثم امر قهرمانه بقبض المال وتجهيز الجارية بما يشبهها من الثياب والخدم والطيب والمركب فجهزت بنحو ثلاثة آلاف دينار ثم سلمها الى قهرمانه وقال : « اوصل الجارية اليه مع ما معها وقل هذا لك ولك عندنا عوض بما الطفتنا به » .
فقبض العراقي الجارية وخرج . فلما

برز من المدينة قال لها : « يا عمارة اني ، والله : ما ملكتك قط ، ولا انت لي ، ولا مثلي يشتري جارية بعشرة آلاف دينار وما كنت لاقدم على عبد الله بن جعفر فاسلبه احب الناس اليه لنفسي ، ولكني دسيس من قبل امير المؤمنين يزيد وانت له وفي طلبك بعثني . فاستتري مني فان دخلني الشيطان في امرك فامتنعي »
ثم مضى بها حتى ورد دمشق ، فتلقاه الناس يحملون جنازة يزيد ، وقد استخلف ابنه معاوية ، فاقام الرجل اياماً ثم تلطف للدخول عليه ، فشرح له القصة ، فقال :
« هي لك » . فارتحل العراقي وقال للجارية « اني قلت لك ما قلت حين اخرجتك من المدينة لاني لم املكك وقد صرت الآن لي ، وانا اشهدك اني قد وهبتك لعبد الله بن جعفر » . فخرج بها حتى قدم المدينة فنزل قريباً من عبد الله . فدخل عليه بعض خدمه فقال : « هذا العراقي ضيفك الصانع بنا ماصنع - لا حياه الله - قد نزل » . فقال له : « انزلوا الرجل واكرموا مثواه » . فارسل الى عبد الله : « ان اذنت ، جعلت فداك ، لي في الدخول عليك دخلة خفيفة اشافهك فيها بحاجتي واخرج » . فاذن له فلما دخل عليه اخبره بالقصة وحلف له بالمخرجات من الايمان انه ما رأى لها وجهاً الا عنده وها هي ذه - فادخلها الدار فلما رآها اهل الدار والحشم تصايحوا ونادوا : « عمارة ... عمارة » . فلما رأت عبد الله خرت مغشياً عليها ، وجعل عبد الله يمسح وجهها بكمه ويقول : « يا حبيبتي ! أحلم هذا ؟ » فقال له العراقي : « بل ردها الله بوفائك وكرمك » . فقال عبد الله : « قد علم الله كيف كان الامر ، فاحمد الله على كل حال » . ثم امر ببيع غيره له بثلاثة عشر الف دينار ، وامر بها للعراقي ، فانصرف الى العراق وافر العرض والمال .

