
مما لا شك فيه ان العلم الحديث يساهم بقسط وافر في تسهيل الحياة . فكثيرة جدا هي المخترعات والاكتشافات العلمية التي تجد لها تطبيقات عملية في حياتنا اليومية . زد على ذلك ان هذه التطبيقات قد دخلت في صلب حياتنا لدرجة انها لم تعد من الكماليات بل اصبحت ضروريات محتملة للوتيرة التي نعيش على غرارها . فالكهرباء وتطبيقاتها من راديو وتليفون وتلغراف اصبحت جميعا قسما لا يتجزأ من مدنيتنا ، لكن الكثيرين منا ينعمون بهذه الاختراعات والاكتشافات ويستعملونها يوميا دون ان يكونوا قد الموا بالمبادئ العلمية النظرية التي جعلت وجود هذه التطبيقات العملية في حيز الامكان . وعندي ان الشخص الذي يعرف كيف يضيء المصباح الكهربائي مثلا ، يزداد تمتعه به واطمئنانه اليه . لان المرء كلما اشبع فضوله العلمي زاد تفهما للناحية العلمية من المدنية الحديثة وازداد تقديرا للخدمات التي يؤديها العلم في سبيل زيادة رخاء الانسان .
وسأحاول في هذا المقال ان ابسط للقراء الكرام بعض المبادئ الاساسية التي ترتكز عليها الكهرباء ، لان الكهرباء تؤلف اكبر القوى المحركة في العالم الحديث ، ولان الالمام بمبادئها يفسح المجال لفهم كثير من تطبيقاتها العملية . ولكنه لا بد لنا من ان نلقي نظرة على تركيب المادة قبل البدء في البحث عن الكهرباء .
مم تتركب المادة ؟
من المعلوم لدينا ان المادة تتألف من
جزيئات (molecules) وهذه بدورها تتألف من ذرات (atoms) وتختلف الجزيئات والذرات بحسب اختلاف المادة فجزيئات الماء مثلا تتألف من عنصري الاكسيجين والهيدروجين بينما تتألف جزيئات البترول من عنصري الفحم والهيدروجين على انه مهما اختلفت جزيئات المادة او ذراتها فهي تتشابه جميعا من جهة تركيبها ، فجميع الذرات ايا كان نوعها ومصدرها والمادة التي تنتمي اليها تتركب جميعها من وحدات كهربائية متشابهة . فكما ان المرء يستطيع ان يبني عدة بيوت مختلفة المظهر والشكل من نوع واحد من الحجر ، كذلك فالطبيعة تبني العناصر المختلفة من هذه الوحدات الكهربائية المتشابهة ، وكما ان الفرق بين البيوت المشار اليها هو فرق في ترتيب الاحجار . بحسب الشكل الهندسي المراد ابرازه لا فرق في وحدة البناء ، وهي الحجر ، كذلك فالفرق بين عنصري الحديد والنحاس مثلا هو فرق في ترتيب هذه الوحدات الكهربائية ترتيبا يعطي الحديد خواصا ومميزات تفرقه عن خواص النحاس وميزاته .
ترتيب الوحدات الكهربائية في الذرة :
هذه الوحدات الكهربائية هي اذن اساس بناء المادة . وهي اما ان تكون سالبة (negative) وتدعى الكترونات
واما ان تكون موجبة (positive) وتدعى بروتونات. وهذه الوحدات صغيرة جدا في الحجم لا يستطيع اي مجهر ان يرينا اياها فالجرام (gram) الواحد من المادة يحتوي على ملايين الملايين من هذه الوحدات الكهربائية المتناهية الدقة . وهي وان كانت لا ترى الا ان لدى العلم الحديث وسائل شتى للبرهان القاطع على وجودها والبروتونات ، او الوحدات الموجبة ، اكبر حجما واثقل من الالكترونات ، او الوحدات السالبة ، فثقل البروتون الواحد يساوي ثقل ١٨٤٥ من الالكترونات . وينتج هذا الفرق الكبير في الوزن عن كون الالكترونات اكثر نشاطا وحركة من البروتونات .
فهذه الوحدات الكهربائية ، الالكترونات والبروتونات ، تشترك معا في بناء ذرات المادة . فالذرة اذن ليست الا مجموعة منظمة من هذه الوحدات السالبة والموجبة والتي توجد دائما بكميات متساوية ، فلا يزيد عدد الالكترونات عن عدد البروتونات او ينقص عنها . والذرة تتألف من نواة (nucleus) يحتوي جميع البروتونات مع بعض الالكترونات مجموعة في كتلة كثيفة متراصة تدور حولها بقية الالكترونات فيمكننا ان نشبه النواة بالشمس والالكترونات تدور حولها كما تدور الكواكب حول الشمس . وكلما اختلف عدد هذه الوحدات اختلف نوع العنصر او المادة التي تنتمي اليها . فذرة الاوكسيجين مثلا تحتوي ستة عشر من الالكترونات وستة عشر من البروتونات بينما تتألف ذرة الحديد من ستة وخمسين الكتروناً وستة وخمسين بروتوناً ، وذرة الذهب من مائة وسبعة وتسعين الكتروناً ومثلها بروتونات . وذرة الراديوم من مائتين وستة وعشرين الكتروناً ومثلها بروتونات . فالفرق اذن في اساسه فرق عددي . فكل شيء ندعوه
