« مادة » مركب من هذه الوحدات الكهربائية الدقيقة ، فالحجر والحديد والورق والنبات والحيوان والانسان كل منها مادة بل مواد مبنية في اساسها من الليكترونات وبروتونات .

اما وقد ألمنا هذا الالمام بتركيب المادة فنحن الان نستطيع ان نبحث في الكهرباء .
قلنا فيما سبق ان الاليكترونات اخف حركة واكثر نشاطاً من البروتونات لكن هذه الاليكترونات تتحرك بنظام ضمن النظام الشمسي في الذرة فهي تدور وتدور دائماً وابداً . لكننا اذا استطعنا ان نعزل هذه الاليكترونات ونجعلها تسير جميعاً في اتجاه محدود نتج عن ذلك ما نسميه بالتيار الكهربائي . فالكهرباء اذن ليست الا سبلاً من هذه الاليكترونات حين تنتقل من مكان لآخر .
وكما ان سهولة السير تتوقف الى حد بعيد على وعورة الطريق او جودتها ، كذلك فان السهولة التي تنتقل بها جموع الاليكترونات ضمن جسم من الاجسام تتوقف الى حد بعيد على مدى قابلية هذا الجسم لتسهيل مرور هذه الجموع . فاسلاك النحاس مثلاً تسمح بمرورها بسهولة كبيرة وهي لذلك تستعمل كثيراً في نقل القوة الكهربائية من مكان الى آخر . بينما الهواء لا يسمح بمرور الاليكترونات الا بصعوبة كبيرة وتحت تأثير قوة كهربائية اكثر من القوة التي تحتاج اليها هذه الاليكترونات لكي تنتقل ضمن السلك النحاسي . وهذا الفارق في سهولة انتقال الكهرباء في مختلف الاجسام وما ينتج عنه من توليد النور والحرارة هو احد الاسس النظرية التي ترتكز عليها الانارة الكهربائية .

المصباح الكهربائي ، او « اللمبة » ، يتركب من سلك رفيع يصنع عادة من معدن يدعى التنغستن (Tungsten) وهذا السلك مركز في داخل انبوب زجاجي كروي الشكل كما نعلم جميعاً ، ومتصل من نهايته بمصدر التيار الكهربائي في الخارج . ويجب ان يكون المصباح محكم الاغلاق ومفرغاً من الهواء ، لان الهواء يحتوي عنصر الاوكسجين الذي يتفاعل مع معدن التنغستن ويجعله غير صالح للانارة مدة طويلة . ويستعاض عن الهواء بغاز يدعى ارغون (Argon) وهو غاز لا فاعلية له فهو لا يتحد مع التنغستن بل يساعد في المحافظة عليه مدة اكثر مما لو كان المصباح مفرغاً من اي غاز ، فالتنغستن في هذه الحالة ، حالة التفريغ المطلق ، يتبخر بسرعة ويصبح السلك غير قادر على ان يخدم مدة طويلة . فوجود غاز الارغون اذن فائدة مزدوجة لانه يقلل من مقدار تبخر التنغستن ولانه لا يتفاعل معه كما يتفاعل الاوكسجين الموجود في الهواء .
اما السبب في اختيار معدن التنغستن فهو لانه لا يذوب الا تحت تأثير حرارة مرتفعة جداً ٣٣٧٠ درجة سنتغراد .
ولنحاول الان ان نصور كيفية مسرى الكهرباء في المصباح . قلنا ان التيار الكهربائي عبارة عن مجموعة كبيرة من الاليكترونات التي تسير في اتجاه واحد . فعندما يصل التيار الكهربائي الى احد طرفي السلك المعدني في المصباح تحاول هذه الاليكترونات ان تسير داخله لكي تنفذ من الطرف الآخر وهي في محاولتها ان تسير ضمن هذا السلك تجد بعض الصعوبة لكنها مجبرة على السير لانها تدفع جميعاً بواسطة القوة الكهربائية المستمدة من مستودعات الكهرباء في
البلدة . لذلك فان صعوبة انتقال الاليكترونات ضمن السلك المعدني يولد احتكاكاً بينها وبين ذرات التنغستن . وهذا الاحتكاك يسبب ارتفاعاً في حرارة السلك كما يشعر احدنا بالحرارة في كفيه اذا فرك واحدهما بالآخر . وكلما زاد الاحتكاك بين الاليكترونات وذرات التنغستن كلما ارتفعت حرارة السلك المعدني حتى اذا بلغت هذه الحرارة درجة معينة يبدأ السلك عندئذ ان يتوهج . فالحرارة والنور في الحقيقة تعبيران مختلفان لقاعدة واحدة ، فكل جسم من الاجسام يرسل شعاعاً او نوراً هو جسم بلغت حرارته درجة التوهج . فقطعة الحديد البارد لا تنير مطلقاً ، لكنها اذا سلطت عليها نار الحداد رأيناها تتوهج احمراراً وترسل شعاعاً مضيئاً .
لذلك فلو كان معدن التنغستن في الحالة الموجود عليها في داخل المصباح يسمح بمرور الاليكترونات بسهولة كبيرة لما حصل الاحتكاك ولما تولد النور . وبما انه معدن لا يذوب الا تحت تأثير حرارة جد مرتفعة فان الحرارة الناتجة عن الاحتكاك المشار اليه لا تؤثر في هذا السلك كما تؤثر في سلك يذوب تحت تأثير حرارة منخفضة .
هذا بحث مجمل جداً للناحية النظرية من الكهرباء ولتطبيق عملي لها وجل املي ان يكون هذا العرض الوجيز حافزاً للقراء الكرام لمحاولة زيادة الاطلاع على هذا الموضوع المهم . فالعلم بحر واسع الآفاق كلما توغل المرء فيه زاد فيه شغفاً وبه تعلقاً .
فاذا استطاع هذا المقال استفزاز بعض القراء لزيادة الاطلاع يكون قد حقق الغاية الاساسية التي كتب من اجلها .
