
من اهم الاختراعات المفيدة للانسان في وقت السلم، ذلك الجهاز الصغير الذي لا يتجاوز حجمه قبضة اليد والذي تم اختراعه ابان الحرب العالمية الاخيرة.
كان المئات من اساطين العلماء الاميركيين والبريطانيين منهمكين في اثناء سنوات الحرب في ابحاث جديدة متواصلة لرفع مستوى الراديو حتى يدخل في نطاق الاشعاع المتناهي في القصر المسمى بالموجات الاثيرية المجهرية الطول. واستطاع العلماء بواسطة هذه التموجات الفائقة السرعة استنباط سلسلة من اجهزة الرادار «العيون والاذان السحرية» المدهشة التي تقوم باعمال تبدو كأنها خارقة او خيالية، فكان بالامكان تمييز طائرات العدو عن بعد مئتي ميل. وكانت هذه الاجهزة تعثر على الصواريخ الالمانية فتسقطها قنابل المدافع المضادة التي تقوم بتسديدها اليها اجهزة الرادار. واستطاعت القاذفات تسديد ضرباتها وقنابلها باحكام تام الى المعامل من وراء السحب الكثيفة. كما ان البوارج اغرقت عدداً كبيراً من سفن الاعداء عن بعد اميال في الظلام الدامس، حتى ان العواصف والزوابع بات بالامكان اكتشافها قبل هطول الامطار بعدة ساعات بواسطة هذا الجهاز العجيب.
وستستخدم موجات الاثير المجهرية في زمن السلم لاغراض كثيرة مفيدة فتنصب الان عدة شبكات منها في بريطانيا واميركا لتؤمن هذه الخدمات واهمها على ما ينتظر: امكان ارسال مئات الالوف من المخاطبات الهاتفية الشخصية في آن واحد على نفس الموجة بدون الاسلاك والاعمدة والاتصال بين المدن حيث لكل مواطن جهاز للراديو له موجة معينة يستطيع بواسطتها سماع الاذاعات ورؤية
المناظر المرسلة بواسطة التلفزيون ومخاطبة اي شخص هاتفيا بمجرد تحريك زر خاص بالجهاز يمنة او يسرة. وسيقضي ايضا بذلك على جميع الاصوات المزعجة التي تعكر صفو الاذاعة والمسببة عن الاجهزة الكهربائية في المنزل وفي جواره او عن الاحوال الجوية. وسيصبح بامكاننا استخدام الاثير لهذه الاغراض الكثيرة الى ابعد مدى مما نستخدمه الان، كما انه سيصبح بالامكان نقل المرئيات بالتلفزيون بالوانها الطبيعية. وما هو اهم من ذلك كله امكان اقامة شبكة كبيرة جدا من اجهزة الرادار المسيرة لاجهزة التلفزيون لتنظيم حركة المواصلات الجوية وتجهيز المطارات في عموم انحاء البلاد بتقارير سريعة عن التقلبات الجوية المفاجئة.
ولن تتحقق جميع هذه الامور بسرعة غير ان الابحاث العلمية التي قام بها العلماء ابان الحرب جعلت جميع هذه الامور ممكنة التحقيق كما ان الكثير منها سيصبح في متناولنا في القريب العاجل وقبل ان نسمع شيئا عنه.
وقد كان مختبر الاشعاع في معهد ماساتشوستس للنور الذي افتتح في شهر تشرين الثاني عام ١٩٤٠ المركز الرئيسي لتطور العلم في موجات الاثير المجهرية الطول. فبلغ عدد الموظفين في هذا المختبر ابان الحرب ٣٨٠٠ شخص من علماء ومهندسين ومساعدين وقدر انه ضم عشرين بالمئة من اساطين علماء الفيزياء في الولايات المتحدة.
وقد ادرك العلماء الامكانيات العظيمة لهذا النوع من الموجات الاثيرية، غير انهم افتقروا الى الاجهزة اللازمة لاستعمالها. فاخترع احدهم هذه الاجهزة وهو المعروف باسم الماغنيترون، وهو عبارة عن جهاز بسيط التركيب يشبه الانبوب ولكنه يعتبر من اعظم الاختراعات التي توصل اليها العلم ابان الحرب. والجهاز المعدني هذا صغير الحجم
لدرجة انك تستطيع اخفاءه في قبضة يدك، وقد تم صنعه على ايدي العلماء في جامعة برمنغهام البريطانية ثم ارسل الى الولايات المتحدة خلال الحرب. واخذ كبار العلماء في مختبرات شركة بيل وغيرها من الشركات الشهيرة يدرسون الجهاز وامكانياته حتى اصبح اخيراً القلب النابض في جهاز الرادار الحديث.
وما تجدر الاشارة اليه بهذا الصدد ان عدة شركات كهربائية وغيرها من الشركات التي تعنى بصنع اجهزة البث السلكي واللاسلكي في بريطانيا والولايات المتحدة، اخذت تصرف جهوداً جبارة للاستفادة من خصائص هذا النوع من الموجات والاجهزة المختلفة لاستعمالها بغية الاستغناء عن الاعمدة البرقية والهاتفية، اذ انه اصبح بفضل هذا الاكتشاف العجيب بامكان الانسان ان يرسل عدة مخاطبات واذاعات على موجة واحدة في آن واحد دون اية بلبلة ما وبوضوح تام.
هل تعلمين؟