

درست هذه المسألة في أوقات مختلفة مع أصدقاء كثيرين من الجنسين ، وقرأت الكثير من آراء بعض كبار المفكرين في الموضوع . وكثيراً ما حسبت أنني كونت رأياً خاصاً بي يجدر أن يطلع عليه الآخرون . ولكن كنت أحجم عن كتابة شيء بهذا الصدد لسببين جوهريين في نظري . أولاً لعدم اهتمامي بالأمر اهتماما جدياً حتى عهد قريب . وثانياً لأنني كنت أخشى ولوج موضوع خطير كهذا خوفاً من ارتكاب خطأ أو التصريح برأي قد يثير الرأي العام في بعض الأوساط . أما الآن وقد نضجت الفكرة عندي وتبلورت آرائي حول الموضوع ، فلا أرى ثمت من مانع في إبداء رأيي الخاص راجياً أن يصادف استحساناً وقبولاً عند قراء «صوت المرأة» الكرام .
يشهد البلد اللبناني خاصة والأقطار العربية عموماً تطورات عظيمة تتوالى بسرعة في مختلف مرافق الحياة من سياسية واجتماعية واقتصادية . منها ما له طابع محلي خاص لا يتعدى نطاق الشرق العربي ، ومنها ما هو أعم وأوسع بحيث يشمل المجتمع البشري بأسره على اختلاف البيئات والأوضاع .
ولعل الحركة النسائية التي أخذت تبدو بحيوية ونشاط جديدين في معظم الأقطار العربية بعد الحرب العالمية الثانية هي من أهم التطورات الاجتماعية في هذا الجزء من العالم إذا ما استثنينا التطورات السياسية التي تحتل المركز الأول بالأهمية . فقد تأسست الجمعيات النسائية في مصر ولبنان وسوريا والعراق وعقدت المؤتمرات النسائية هنا وهناك ، واشتركت بها المرأة العربية اشتراكاً فعلياً أثبتت فيها عن مقدرتها وتفهمها الشؤون السياسية والاجتماعية ، بما يدل دلالة واضحة على ما لتطورها هذا في العالم العربي من أهمية كبرى تتصل مباشرة بتطور مختلف أقطاره في ميادين النشاط الأخرى .
ولكن قبل أن يتسع نطاق هذا النشاط المبارك يتوجب
على المسؤولين والمسؤولات بالدرجة الأولى وضع الخطوط الرئيسية التي يجدر بالمرأة العربية أن تصرف معظم اهتمامها بها لتوجيه نشاطها إلى ما يعود بالخير على بلادها . ولست الآن في مقام الأسباب في الموضوع حتى ألمّ بجميع الخطوط الرئيسية اللازمة . أنا أقصر حديثي أو بحثي على معالجة هذه المسألة التي صدرت بها كلمتي هذه .
يعتقد البعض ولا سيما في أقطارنا العربية العزيزة أن المرأة المتزوجة لا يجوز لها بصورة مطلقة أن تنصرف إلى الأعمال الواقعة خارج حيز منزلها لأن ذلك يؤدي بها إلى إهمال شؤونها المنزلية وإهمال أولادها الصغار الذين هم بأمس الحاجة إلى عنايتها ورعايتها . ويذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك فيقولون أن المرأة خلقت لترعى شؤونها المنزلية لا غير ، وقد ميزتها الطبيعة بميزات جسمانية خاصة تمنعها من القيام بالأعمال التي يقوم بها الرجل خارج المنزل . أجل ، أن هذا لمن الصواب إلى حد معين . فقد علمتنا هذه الاختبارات التي اختبرها الكثيرون أن المرأة إذا ما أرادت أن تكون زوجة بما في هذه الكلمة من معنى وأماً رؤوماً لأطفالها ، وجب عليها أن تصرف كل وقتها لتحقيق ذلك على أكمل وجه ولكن بشرط أن تتوفر لها ، منذ نعومة أظفارها ، الأسباب اللازمة من إرشاد صحيح حكيم في الشؤون الزوجية عن طريق البيت والمدرسة ، وعن طريق الجمعيات النسائية والنوادي الثقافية والمطالعة في أثناء حياتها الجديدة بعد الزواج . ويجب أن تكون حالتها المادية مؤمنة في منزلها الزوجي بصورة تكفل لها حاجاتها وحاجات أولادها . فإن توفرت جميع هذه الشروط توجب عليها أن تصرف كل جهودها في الاعتناء بشؤونها المنزلية الكثيرة فترعاها بحكمتها لأنها تستلزم ذلك حتماً كيما تتم السعادة العائلية ويؤمن نشوء جيل جديد صالح لأن يسير ببلاده قدما في معارج الرقي والعمران .
