لقد كان من واجبها ان تكون معه ذلك الصباح، «ما الذي اعاقها حتى الآن..» صرخ باعماق صوته «الم اعد اعجبها انا حتى تود ان تتخلص مني؟ دعها تتعوق. سوف اريها عندما تصل.» ثم جلس مكانه جامداً مستسلماً للوحدة، جامحاً مع الافكار المزعجة. ولم يتناول اي فطور لان قابليته للطعام قد تلاشت مع اطمئنانه وراحة باله.
ثم وضع رأسه بين راحتيه مرة ثانية واستسلم لافكاره المزدحمة، معيداً درس قضيته المعقدة: «هل من سبب لذلك التأخر؟ لماذا لم تخبره انها باقية يومين او ثلاثة بدلاً من يوم واحد؟. هل اصابها مكروه؟.. معاذ الله، لو اصابها شيء من ذلك لكانوا بعثوا اليه بخبر في الحال. لا سمح الله. لا سمح الله. كلا ليس هنالك من سبب الا ان تكون قد شبعت وملت من وجهه المجعد وشعره الابيض وراحت تبحث عن شاب مثلها، شاب عصري مغنج بليد من المخلوقات البغيضة الى ابي حنا. قد تكون جالسة واياه تحت شجرة من الصنوبر تناجيه ويناجيها وهي تضحك وتحكي له ساخرة على نكات زوجها العجوز. يا للهول... اهذا ممكن؟ ايجوز ان تكون امرأته الحلوة بمثل تلك الخيانة؟ حاشا وكلا، هب سترك وعونك يا الله..»
وعض على لسانه يكاد يقطعه ثم ردد قائلاً: «الا تأتي اليوم او غداً» لن اقبل منها عذراً. ساضربها، ساقتلها، دون اي كلمة الفظها. لقد تعلم من الاختبار ان لا يصدق امرأة مهما كانت. وها هو يتبين صحة اختباره، ألم تعده برجوعها المستعجل، وها هو يمضي اليوم الثاني على تأخرها، هل تركته. أو ليس كلامها هذا خداعاً وحيلة؟ يا للفظاعة!
وعلت الشمس في الافق وكاد يقبل الظهر، ودعد لم تظهر بعد، ها هو يسمع
وقع اقدام على الدرج، فشنف ابو حنا اذنيه: لقد وصلت!...
طق. طق. طق. وظهر رأس من وراء الباب، فاذا به رأس ابن الجيران. ماذا تريد؟. صرخ به ابو حنا عالياً: «اذهب من وجهي... لا اريد ان اراك لا اريد ان ارى احداً... اذهب.»
فاجابه الغلام مرتجفاً:
«امي، امي بعثتني كيما تذهب الينا وتتناول معنا الطعام.. طبخنا اكلة تحبها.»
- ما بدي آكل. لا احد ولا اكلة.. اتركوني من فضلكم...
وشعر بأن حلقه ناشفاً يابساً. فتناول ابريق الماء فاذا به فارغاً. وراح يعالج الجرة الكبيرة الرابضة في جرنها في الزاوية بحركات عصبية هائجة، واذا بها تميل هي الاخرى ميلة قوية اخلت بها حركة التوازن فسقطت على الارض مهشمة قطعاً قطعاً ففاض الماء بالغرفة. لعن ابو حنا الجرة، لعن الابريق، لعن الماء، لعن امرأته وابا امرأته، لعن نفسه، لعن الحياة وكل ما فيها من جماد واحياء، اما الصبي المسكين فقد جمد مكانه هنيهة مرتاباً ثم اطلق ساقيه للريح...
وكان ابو حنا متعوداً ان ينام قليلاً في مثل ذلك الوقت، فاستلقى على كرسيه وراح يغمض عينيه فاذا بها تفتحان بالرغم عنه وتتغلب عليه الافكار المزعجة: «سوف اهشمها بين يديّ هذه الكاذبة الخائنة. ساضربها ضربة على ام رأسها افقدها صوابها، الا تأتي اليوم؟ آه لو انها الآن امامي لافرغت على صدرها كل ما في صدري من الحنق والالم.»
ثم شتمها وشتم اهلها ومن اراه وجهها وفجأة، بينما هو على تلك الحالة، ظهر الصبي نفسه - ابن الجيران - راكضاً اليه لاهثاً من التعب وهو يصيح: «جاءت دعد، جاءت دعد... جاءت يا عمي ابو حنا..» وحدجه ابو حنا باعين متسائلة وقد اخذت عضلات وجهه شكلاً مختلفاً عما سبق ثم تلفظ قائلاً «كذب» - «تعال وانظر، تستطيع ان تراها من الشباك» ونهض ابو حنا راكضاً الى الشباك وصوب نظره نحو الطريق البعيدة فرأى طيف امرأته، فقفز والتقط عصاه بسرعة وخرج الى الطريق مهرولاً، يميل ذات اليمين وذات الشمال.
تلك كانت هي. هي بنفسها، دعد، بابتسامتها العريضة المحبة، وبمشيتها الموزونة وباعينها الذابلة السوداء. واذا بعبسة ابي حنا تختفي من وجهه بغير انتظار، واذا على وجهه خيال ابتسامة رقيقة. وما ان وصل اليها حتى تناول حقيبتها وطبع قبلة على جبينها واخرى على وجهها قائلاً:
«يا حرام... كلك عرق من التعب بعد المشوار البعيد... عجلي الى البيت، ادخلي حالاً من هذه الشمس المحرقة». ومشى جنبها متعثراً طافحاً بالبشر والحبور، وهو يردد بكل ما في قلبه من الحنان: اين كنت يا قرقوري الصغيرة، لماذا تعوقت هكذا، انشغل بالي عليك كثيراً. ولم ينتظرها تجيب بل زاد قائلاً «ادخلي! ادخلي! يا عزيزتي، اعددت لك ماء باردة تغسلين بها رجليك بعد التعب» وقادها الى الداخل واحضر لها الماء وانتزع نعلها وراح يعتني بها.. الشعور بالفتوة والشباب عاد اليه مرة ثانية... لقد اختفى ذلك الشبح الاسود من السنين المتراكمة!
