ولما وصل إلى الشاطئ ، رمى شبكته وحاول أن يلمها ، فأحس أن الشبكة ثقيلة جداً . ففرح في قلبه وقال : « الآن توفقت بصيدة كبيرة ستسربها زوجتي أم عبدالله » ولما سحب الشبكة من البحر ، وجدها ، مع الأسف ، ملآنة بالزجاج والرمل والحجارة .
ورمى الشبكة مرة ثانية في البحر ، وحاول أن يلمها من جديد ، ولكن هذه المرة كانت أخف من الأول ، ففرح أيضاً وقال في نفسه : « يا سلام ، هذا ما يمكن أن يكون الإسمكاً » . ولكن مع الأسف أيضاً ، كانت الشبكة ملآنة بالعشب والحشيش الأخضر والأسود الذي يطلع عادة في أسفل البحر .
ومع هذا كله ، كان الصياد المسكين صبوراً ، ما يئس أبداً . رمى الشبكة مرة ثالثة في محل من البحر هادئ وصاف ، وقعد ينتظر ، وقلبه يدق ويدق كأنه يريد أن يقفز من صدره . ثم ابتدأ يسحب الشبكة على مهله ، وإذا فيها سمكة واحدة صغيرة ، لونها أصفر مثل لون الذهب . مسكها الصياد ، وكانت ، بالفعل ، سمكة من الذهب .
« يا عيني ما أحلى هذه السمكة الصغيرة » .
قال الصياد وهو يضعها في سلته . ولكنه ما كاد يفتح السلة حتى فتحت السمكة فيها وصارت تتكلم ... تتكلم كلاماً مثلما نتكلم نحن .
ماذا قالت السمكة ؟ قالت « يا عمي ، أرجوك ما تحطني بالسلة رجعني إلى البحر ، لأني بالبحر أكون مسرورة أكثر : أسبح بحرية وفرح في هذه الأمواج الزرقاء الجميلة » .
واندهش الصياد وتعجب كثيراً ، لأنه بحياته كلها ما سمع سمكة تتكلم مثل الناس . لكنه تشجع وقال لها : « يا سمكتي الصغيرة المذهبة ! أحب من كل قلبي أن أرجعك إلى البحر . ولا سمح الله أن أبقيك معي إذا كنت أنت لا تريدين » .
« معك حق » جاوبته السمكة المذهبة . خليني إذن أدفع لك تعويضاً . اطلب مني ما تريد ، وأنا مستعدة أن أعطيك إياه من كل قلبي » .
« لا يا عزيزتي السمكة » أجابها الصياد المسكين ، « أنا لست
بحاجة إلى شيء . يكفيني أنني عشت إلى اليوم حتى أرى بعيني سمكة جميلة مثلك ، وأسمع بأذني صوتها الجميل الناعم » . ورمى السمكة أمامه بذلك البحر الواسع الأزرق الصافي ، وجمع شبكته وحطها بالقارب الصغير الذي معه ، ورجع إلى الشط ، وركض مسرعاً إلى بيته حتى يخبر زوجته عن هذه الحادثة العجيبة .
وما كاد يصل إلى البيت حتى قالت له زوجته : « مالك راكضاً يا أبا عبدالله ، كيف ؟ أنت موفق هذا اليوم إن شاء الله » .
وابتدأ الصياد يحدث زوجته العزيزة عما حدث له . وكيف أنه رمى الشبكة بالبحر أول مرة وثاني مرة وما طلع فيها شيء . وكيف أنه رماها ثالث مرة واصطاد سمكة مذهبة تتكلم مثل كل الناس . وكيف أنه رجعها إلى البحر لأنها بكت وطلبت منه ذلك وقالت له أن يطلب ما يحتاج إليه فهي مستعدة أن تعطيه .
« طيّب ، ماذا طلبت منها يا أبو عبدالله ؟ » .
« لا شيء » أجابها أبو عبدالله « ماذا أطلب منها ، وأنا لست بحاجة إلى شيء ، يا حبيبتي أم عبدالله ... » .
فما كان من أم عبدالله إلا أنها صرخت : « كيف لست بحاجة إلى شيء يا غشيم ؟ يا ليتك طلبت منها على الأقل ثوباً جديداً لي .. »
« أي معك حق يا أم عبدالله » أجابها أبو عبدالله ، وركض مرة ثانية إلى شط البحر وصار يصيح : « يا سمكتي الصغيرة المذهبة — يا سمكتي الصغيرة المذهبة » .
« نعم . نعم . » ردت عليه السمكة . ماذا تريد مني يا صديقي العزيز ؟ أنا حاضرة لكل خدمة » .
فجاوبها الصياد « آه . آه . يا عزيزتي السمكة . أنا لا أريد شيئاً ، ولكن عندي امرأة عجوز تحتاج إلى ثوب جديد ، لأن ثوبها عتيق وممزق » .
« ما عليك يا صاحبي » قالت له السمكة . « ارجع إلى البيت والله يباركك » .
ودعها الصياد ، ورجع إلى البيت ، فوجد امرأته لابسة الثوب الجديد . وعوضاً عن أن يراها فرحانة ، رآها زعلانة تصيح في وجهه : « يا غشيم ، يا مجذوب ! لماذا ما طلبت منها أيضاً كوخاً جديداً ؟ ألا تعرف أن كوخنا مهدم وعتيق ؟ » .
ورجع الصياد المسكين مرة ثانية ، وصرخ للسمكة . ولما ردت عليه ، أخبرها بما طلبت منه أم عبدالله ، فجاوبته : « تحت أمرك . ارجع إلى البيت ، والله يباركك أيها الصديق العزيز . »
وكان أنه لما وصل الصياد إلى البيت وجد كوخه العتيق المهدم قد صار كوخاً جديداً كبيراً مثل القصر . ففرح وقال : « أخ ، هذه المرة ، أم عبدالله يجب أن تكون فرحانة ومسرورة مثلي . »
ولكن مع الأسف ما كانت أم عبدالله فرحانة ومسرورة . لماذا ؟ هذا ما نريد أن تعرفه في المستقبل . خلينا الآن ننتظر إلى أن كانت وصلت الأخبار .
