

... وكم كنا نتمنى ألا يغيب هذا الوجه الجميل عن دنيا الأدب العربي في لبنان . ولعل عزاءنا الوحيد هو أنه غاب في حدود الزمان والمكان ، وظل مشرقاً فيما لا يقع ضمن حدٍّ من هذه الحدود .
بقرة ، وليست كالبقرة ضخامة جسم ، بل هي اقرب الى العجل الصغير . تلمع عيناها في الليل البهيم كأنها جمرتان او نجمتان . مسرجة بالذهب ، نعالها وخلاخلها من ذهب . وعلى ظهرها عدلان ملئا بالدر والياقوت والحجارة الكريمة . تجيئك في ساعة متأخرة من الليل فتناديك قائلة :
تعال يا فلان وخذ نصيبك !
فلا تخف ولا توقظ احدا من اهلك النيام ، تقدم نحوها رابط الجأش وانزع نعالها وخلاخلها وسرجها ، وأفرغ العدلين من كنوزها ، ثم املأهما بما تيسر ، والافضل ان تجعل في احدهما خبزاً وفي الآخر ملحاً : علامة المودة والشكران . فهي تمضي في سبيلها تاركة في دارك الذهب والدر والياقوت والحجارة الكريمة . طوبى لك فأنت الغني السعيد !
... وفي النصف الأخير من القرن الثاني عشر للهجرة زارت البقرة « حاملة النصيب » جدة والدي السيدة صافية وكانت ، رحمها الله ، « سبعينية » . فسمعت طقطقة النعال ورنين الخلاخل على درجات السلم ، فنظرت من ثقب الباب الموصد عليها في حجرتها ، فرأت البقرة المذهبة تخطر في باحة الدار ، وعيناها نضبان كأنها جمرتان او نجمتان ، وهي تنادي بصوت أشبه بالخوار :
- تعالي يا صافية وخذي نصيبك !
اما المرحومة فجمدت في مكانها معقودة اللسان . واما البقرة فقد نادتها ثلاثاً ثم انصرفت كالمستكبرة ، انفة من هذا الجبن الشديد الذي ما عليه من مزيد ! ولكنها انتقمت منا بأن تركت على احدى درجات السلم نعلاً من نعالها الذهب ، دليلاً على الثروة التي لم تمتد يد لأخذها ، وباعثاً على الحسرة
الدائمة . ويروى ان جدتنا قالت اذا انطلق لسانها هذه الكلمة المأثورة : « الشجاعة ، ولا السعادة ! » وهكذا كنا ولم نزل فقراء ، عزاءنا الوحيد ، بل عزائي انا وحدي هو اني كدت في النصف الأخير من القرن الثاني عشر للهجرة اكون ، في ظهر الغيب ، غنياً ، فاذا لم أكنه فذلك لان جدتي السيدة صافية ، عليها رحمة الله ، ما ارادت ...
جدّاً وأمثاله كنا نتسامر في احدى ليالي الشتاء ، ونحن ، كباراً وصغاراً ، جلوس حول الكانون صديقي المونس المحيي الامين ، وبغتة شهدت في هذه الغرفة الصغيرة ، كيف تخلق دنيا غير دنيانا يقطنها اقوام غير اقوامنا ، دنيا عجيبة ملأى بالارواح الخيرة والشريرة ، تفيض منها على دنيانا الاعاجيب ، وفيها يجد العامة تأويل كل الاسرار . واحسست كأن هذا الجو الذي كنت احسبه مهجوراً هو على الضد من ذلك مأهول لا تكاد تجد فيه ، من شدة الزحام ، شبراً واحداً لم يحلبجي او عفريت .
وليس اعجب ولا ابلغ دلالة من الصلة التي جعلها العامة بين عالمنا وذلك العالم . أقص عليك قصة « الدابة » التي دُعيت ليلاً الى امرأة في الوضع ، فاعترضت سبيلها سيدة محجبة سألتها ان تشعل لها شمعتها المطفأة ، فلما تناولت الشمعة من يدها اختفت السيدة بين الارض والسماء ، ونظرت الدابة فاذا الشمعة « اصبع مخضوبة بالحناء » ؟
ام اقص عليك قصة الرجل الصالح الذي التقى ذات ليلة بالجنية العروس ، المحلاة بالذهب من قمة رأسها الى قدميها ، فقالت له : عرني من ثيابي وهي لك ! فلما ذكر انه ينبغي ان يخلع عنها كل ثيابها وينظر اليها وهي عارية ، حول بصره لانه لم يكن امرؤ سوء ، وقال
لها : استتري يا أختي ... استتري! ثم انصرف لم يغنم ولم يأثم ؟
ام ماذا اقص عليك؟ لقد انتقلنا من اسطورة عجيبة الى اسطورة اعجب ، ومن اقصوصة جميلة الى اقصوصة اجمل ، حتى خيّل الي ان ليلتنا هذه ليلة « شاردة » من طرفة الشرق الكبرى ، اعني كتاب الف ليلة وليلة ... وأخذت افكر فيما فكرت فيه من قبل اذ كتبت « الباب المرصود » .
ليس خلق عالم على هامش عالمنا هذا ، او تصور وجود غير هذا الوجود العادي ، وقفاً على وحي الانبياء وخيال الشعراء . فان للعامة في هذا الخلق والابداع اليد الطولى ، بل لعل الانبياء والشعراء يستقون من هذه الينابيع التي لا تفتأ تفيض في كل عصر ومصر ، ولا يغيض ماؤها ابداً : الآداب العامية . فاذا كان في الامر بعض الشك ، فان الشعوب ، بالاقل ، تلتقي مع انبيائها وشعرائها في صعيد واحد لكفاية الحاجة الانسانية العامة الدائمة الى الخوارق والاعاجيب ، اي الى كل ما هو « في خارج » هذا العالم ونواميسه المعروفة وحقائقه المألوفة . وان في الآداب العامية او « الفكلور » كما يسميها الافرنج لطرائف شائقة متعة غزيرة المعاني ، سواء الاقاصيص والامثال ام الاساطير والعقائد ، توفر على العناية بها ، جمعاً وترتيباً وتأويلاً ، كثير من اختصاصي الغرب ، اعتقاد انها فنون غير الفنانين وآداب غير المتأدبين ودواوين غير الشعراء ، لا يتجلى فيها الروح القومي فحسب ، بل تترجم من جهة ثانية عن النفس الانسانية على اطلاقها . فهي كالبقرة المسرجة بالذهب تحمل كنوز الفقراء .
... واسرّت الي اكبرهن سناً قولها :
- هل تعلم لماذا أورثت فلانة بنيها ( وذكرت اسرة معروفة في البلد ) سوقاً برمتها هي السوق الفلانية ؟ ذلك لان البقرة زارتها فاخذت منها نصيبها ... والا فمن اين لهم هذه الثروة الطائلة ؟
وقالت اصغرهن سناً وفي عينيها الخوف والرجاء :
- اذا جاءتني البقرة ، هذه الليلة ، ونادتني : يا سلوى ، قومي وخذي نصيبك ! فسأقول لها من تحت اللحاف : يا بقرة انا اخاف لاني صغيرة ، فضعي نصيبي على عتبة الباب ، ارجوك !
ولكن ام سلوى ضمت صغيرتها وعوذتها قائلة :
- بسم الله الرحمن الرحيم !