ما لا ريب فيه ان فن هندسة البناء عندنا قد تقدم كثيراً عما مضى وقد شيد في بلادنا حتى الان بنايات عدة هي آية في الجمال والاتقان داخلاً وخارجاً ، ولكن هذا لا يعني أن كل ما نراه من هذا الجديد منها هو مستوف للشروط الصحية التي هي شرط اولى من شروط دور السكن. ولا يغرب عن ذهننا أن ليس كل ما هو جديد وجميل صالح لنا ولعيالنا... حاشا لابنة بلادي تبهرها هذه الابنية الشاهقة الجميلة في الظاهر فتسعى الى تقليدها باذلة مع زوجها كل مرتخص وغال لامتلاك احداها او لاستئجار منزل من امثالها لمجرد كونها عصرية حديثة .
يا ليت مهندسونا الكرام لا يقلدون هذه الابنية التي يترك لعنايتهم رسم خطوطها، تلك الابنية الموجودة في العواصم الاوربية حيث للهواء ثمن فكيف بالارض التي تقام عليها. ان الارض عندنا والحمد لله فسيحة متوفرة ولا سيما عندما نتوجه بانظارنا للبناء في الخلاء او في الضواحي اذا كنا من سكان المدن الكبيرة. اما في القرى والجبال فهناك لا عذر لنا على الاطلاق اذا لم نتبع الخطة المثلى في اختيار الموقع المناسب ونوع الهندسة الموافقة للبناء . ويسرني ما اسمعه غالباً في هذه الايام من تأفف بعض اخواتي السيدات اللواتي يسكنّ هذه الدور الجديدة ، وما يقلن : - « ان هذه البيوت ولو انها جامعة للشروط الصحية من حيث المجاري والمطابخ والحمامات فهي تضيق على انفاسنا لصغر غرفها وانخفاض سقوفها وتعرضها للحرارة الحادة في الصيف والبرد القارص في الشتاء . وما يزيد بانقباضنا هو عدم شعورنا بالاستقلال العائلي لملاصقة الدور بعضها لبعض مما يجعلنا نقتصر بالهمس عند الكلام
وكمّ الافواه حين السعال ولعب الاطفال، حتى لا نسبب ازعاجاً للجيران كما هم يفعلون في غالب الاحيان » . فهل هذا هو البيت الذي ننشده حين الغناء : « يا بيتي . يا بيوتاتي يا مستر عيباتي فيك باكل فيك بشرب . فيك بمد جرياني ..» لا لعمري ان بيتنا القروي القديم ذا الغرفة الواحدة المتسعة تحيط به اشجار البلوط والجوز والسنديان البعيد عن اعين الرقباء ومسمع الدخلاء هو
افضل بالف مرة من هذه العشش البيضاء المتراصة البناء حيث يقطن العشرات من السكان فوق مساحة من الارض لا تتجاوز المئة او المائتين من الامتار عدّاً .
اول ما يجب العناية به حين التصميم لبناء بيت او استئجاره هو اختيار الموقع الطبيعي المستوفي للشروط الصحية في الدرجة الاولى. ليكون مرتفعاً عن سطح الارض بعيداً عن الاحياء التي يكثر فيها الازدحام والضوضاء ما امكن ومطلاً على مناظر جميلة ترتاح اليها العين ويؤلفها الذوق. اذ لا يخفى ما في ذلك من التأثير على اعصابنا واخلاقنا حين القيام باعمالنا المنزلية . ولا اظن ان واحدة منا لم تختبر بنفسها ما للمناظر الطبيعية الجميلة، ونحن نشرف عليها من على هضبة مرتفعة ، من التأثير المنعش والمجدد للقوى بعد يوم اجهدنا فيه العناء والتعب .
ليكن بعيداً كل البعد - مهما كلف الامر - عن المستنقعات والروائح الكريهة الناتجة عنها ، فانها تضر بالصحة ضرراً بليغاً والا فاننا واولادنا سنبقى عرضة للخطر الدائم من هذه المكروبات التي تنقل الى بيوتنا في كل ساعة من ساعات الليل والنهار. والويل ثم الويل لنا اذا وجدت هذه المكروبات جواً ملائماً من الرطوبة لها عندنا فانها لا تتورع من ان تقيم فيه على الرحب والسعة حتى لقد تمر الاعوام على وجودها في مخابئها فتنبّ من وقت الى اخر فتفترس من تفوز بالدخول الى معدته او دمه .
واخيراً ارجوك يا ابنة وطني الا تجني تجاه هذا الواجب الحيوي لجهلك في هندسة البناء او لاعتقادك ان هذا الامر هو من خصائص
الرجل وحده، بل تأكدي ان في غريزة كل امرأة سر خفي يرشدها الى ما يوافقها وما لا يوافقها وهي تنتقل بين غرف دارها للتهوية والترتيب والتنضيف . ان ابداء رأيك في موقع البيت وعدد الغرف والنوافذ والمنتفعات اللازمة لك ومبلغ علوها او انخفاضها وطولها وعرضها هو حق من حقوقك لا ينازعك فيه منازع ، واياك التساهل باستئجار بيت او بنائه بشكل يحجب عنه الشمس والنور والهواء ، هذه العناصر الثلاثة التي لا حياة لنا بدونها .

